• ×

د. أحمد القاضي

آفاق العقيدة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد يتصور بعض الناس أن مصطلح (عقيدة) يوحي بنوع من التحجر، والجمود، والصرامة، كما يعطيه هذا المصطلح في الأدبيات الغربية (DÔGMÂ) ، وريثة الثقافات النصرانية، واليهودية، والإغريقية . والحق أن الأمر مختلف جداً؛ فالعقيدة الإسلامية أفق رحب، بل آفاق ، تتسم بالشمول والسعة، والتنوع، والتوازن، والمعقولية، إلى جانب الجزم، واليقين، الذي تمنحه اللفظة من الناحية اللغوية .
وأرحب هذه الآفاق، وأحكمها، أفق النص ! أعني نصوص الوحيين؛ الكتاب والسنة إذ هما الإطار العام الذي يستوعب جميع الآفاق، والساح الفساح التي تنداح فيها سائر الأنظار . قال تعالى : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل: 89، وقال : (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) الإسراء: 12، فالنص المعصوم يمثل الحق المحض، والبيان التفصيلي المقنع والمريح الذي ينتظم الدنيا والآخرة .
ولئن كانت النصوص تمثل (الكتاب المقروء) فإن الكون برمته يمثل (الكتاب المفتوح) الذي تستقي منه العقيدة مواردها، والمادة الخام التي تقيم منه بناءها . وهذا ما يسمى عند أهل العقيدة (الإيمان بالربوبية ) أي الاعتقاد الجازم بأن الله هو الخالق ، المالك المدبر لكل ما في هذا الكون ، ويدعون إلى توحيده بذلك (توحيد الربوبية) ويعرفونه بشكل مختصر، بأنه توحيد الله بأفعاله؛ أي اعتقاد انفراده بالخلق، والملك، والتدبير .
ويجد التالي لكتاب الله حصةً وافرة، وقسطاً كبيراً من الآيات تبرز هذا المعنى بأساليب تأخذ بالألباب، وتدهش العقول، وتؤسس للنتيجة المنطقية، والحقيقة الحتمية التي بعث بها الرسل، وهي (توحيد الألوهية) أو (توحيد العبادة) من جنس قول الله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ . أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .أمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) النمل: 59-64
فحين يسرح الطرف، ويسيح العقل، في هذه الآفاق الكونية، والمجالي الحيوية، لا بد أن يذعن للحقيقة الكبرى، ويميط اللثام عن فطرته الأولى، وينادي بأعلى صوته : (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ.إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) يس: 22- 25. وبالتالي فإن كل ما في هذا الكون مدد لهذه العقيدة، وغذاء مستمر لمعتنقها، يجد فيها السلاسة، والانسجام بين ما يقرأ، وبين ما يرى في الكتابين .
وحين أطل العلم الحديث، وتحديداً العلوم التطبيقية ؛ الجغرافيا، والفلك، والطب، والفيزياء،وعلم وظائف الأعضاء، بمكتشفاته، ومخترعاته، رأى فيه كهنة الكنيسة منافساً خطيراً، وخصماً يهدد بتقويض البنية التحتية لمنظومة الترهات التي ألبست لبوس الدين، فناصبوه العداء . بينما وجد فيه أهل الإيمان الحق، والعقيدة الصافية فتحاً مبيناً، ونصراً عزيزاً لقضية الإيمان الكبرى، فطفقوا يمتحون من نبعه المتجدد، ويطلقون البصر والبصيرة في آفاقه الرحبة الثرة ، وطفق الناس يعون، ويتفكرون، ويتدبرون، فمن سبقت له من الله الحسنى ، قيض له من يضع النقاط على الحروف، ويرتب النتائج على المقدمات، وإلا بقوا فاغري الأفواه .
وهذا ما أردناه حين أضفنا إلى موقع (العقيدة والحياة) أفقاً جديداً، أسميناه (آفاق العقيدة)، وأسندناه إلى أحد أبناء العقيدة، وهو الأخ الدكتور : عبد الله بن عبد الرحمن المسند، ليستخرج للزوار بعض مكنونات (الحياة)، ويستنبط منها بعض مفردات (العقيدة) . ووجدنا الأثر الكبير ، والتجاوب الفعال لهذه الحلقات الطريفة، المفيدة، سائلين الله تعالى أن تسهم في بناء العقيدة لعمارة الحياة .
 


التعليقات ( 0 )