• ×

يوسف الزين

قالوا يا هود ما جئتنا ببينة (1)

يوسف الزين

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
أعرض في هذه الحلقة الشبهات التي أوردها قوم عاد على نبيهم هود صلى الله عليه وسلم ، كما وردت في سورة هود ، قال تعالى : (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) [سورة هود].
وهذه الشبهات على النحو التالي :
1) ما جئتنا ببينة .
2) ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك .
3) ما نحن لك بمؤمنين .
4) اعتراك بعض آلهتنا بسوء . قال ابن سعدي رحمه الله في معناها : أي أصابتك بخبال وجنون فصرت تهذي بما لا يعقل .
وقد جاء جواب هود عليه السلام حاسما حازما ، فبدأ بآخر الشبهات وأخطرها ( التعلق بالآلهة ) ، فقال : ( إني أُشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ) أي : فإن زعمتم أنها أصابتني بسوء ، فأنا أعلن براءتي منها وأُشهد الله عز وجل وأُشهدكم على ذلك أيضا . وإذا كان القاريء قد يعجب من هذه القوة لدى هود عليه الصلاة والسلام ، فإن له أيضا أن يتعجب من القوم وكيف يتعلقون بأصنام وآلهة لا تضر ولا تنفع ، كما قال تعالى في سورة هود : ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد ، وما ظلمناهم و لكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ) [هود 101-102]
فليحمد العبد ربه على أن هداه لهذا الدين ، بينما ضل عنه الكثيرون وعطلوا عقولهم حتى عن التفكير ، فصاروا يعبدون أشياء يصنعونها بأيديهم ، ويشيدونها بأموالهم أو يختارونها من بين المخلوقات الضعيفة ، وقد غفلوا عن خالقها ( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) [الأعراف 191]
ثم قال هود عليه السلام بعد ذلك متحديا للقوم الذين عرفوا بالقوة والبطش (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ، إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) ، وهذا التحدي للقوم يكفي للدلالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وأنه رسول من عند الله ، إذ لو كان كاذبا - وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم - لأمكن الله القوم من أذيته وإلحاق الضرر به فلما صادقا صلى الله عليه وسلم وتعلق بالله وتوكل عليه ، حفظه الله منهم إذ لم يرد أنهم آذوه بعد ذلك عليه السلام . يقول ابن سعدي رحمه الله : ومن آياته وبيناته الدالة على صدقه أنه شخص واحد ليس له أنصار ولا أعوان ، وهو يصرخ في قومه ويناديهم ويعجزهم ويقول لهم ( إني توكلت على الله ربي وربكم ) ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ) وهم الأعداء الذين لهم السطوة والغلبة ، ويريدون إطفاء ما معه من النور بأي طريق كان ، وهو غير مكترث ولا مبال بهم ، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من السوء إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . (تفسير ابن سعدي ، هود آية 53 )
ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد ، ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب ، إنه الإيمان والثقة والاطمئنان ؛ الإيمان بالله والثقة بوعده والاطمئنان إلى نصره الإيمان الذي يخالط القلب فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في القلب لا يشك فيها لحظة ، لأنها ملء يديه وملء قلبه الذي بين جنبيه ، وليست وعداً للمستقبل في ضمير الغيب ، إنما هي حاضر واقع تتملاه العين والقلب . [في ظلال القرآن 4/1899] .
إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلا أمام هذا المشهد الباهر ، رجل واحد ، لم يؤمن معه إلا القليل ، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض ، وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم كما جاء عنهم في سورة الشعراء ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون ، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ، وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) [الشعراء 128-130]
مسألة : قد يقول قائل : هل يشرع للداعية أن يقف في دعوته مثل موقف هود عليه السلام مع أن القاريء لسير الأنبياء عليهم السلام ، يجد أن بعضهم قد دعا على قومه كنوح صلى الله عليه وسلم ، وبعضهم هاجر كإبراهيم ولوطا عليهما السلام ، وبعضهم خرج مع قومه كموسى عليه السلام ؟
والجواب : أن هودا عليه السلام أُلجأ إلى هذا الفعل إلجاءاً ، وذلك حين تحداه قومه وقالوا : ( ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ) الآية ، وذلك بعد أن تودد إليهم وبين ثمرات الإيمان كما سبق بيانه ، فلم يبق إلا المواجهة والمفاصلة مع ملاحظة أنه عليه السلام نبي مؤيد بالوحي وهذا لا يكون لأفراد الدعاة إلى الله ، وقد يسع بعض الدعاة أن يدع جانبا من الجوانب أو مدعواً حين يبذل جهده فيه ووسعه ، وينتقل إلى غيره ولا يستعجل المواجهة والمفاصلة ، بل تكون دعوته بذرة يسقيها داعية آخر ، فتنبت هداية واستقامة ولو بعد حين ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين قال : ( لا بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ) [متق عليه]
وهذا لا يعني أن المفاصلة منهي عنها أو مذمومة فقد حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وقومه حين هاجر من مكة ثم وقعت غزوة بدر وما بعدها من المشاهد ، ولكن المقصود مراعاة المصلحة في ذلك
 


التعليقات ( 0 )