• ×

يوسف الزين

قالوا يا هود ما جئتنا ببينة (2)

يوسف الزين

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
هذه الحلقة تتمة للحلقة السابقة نسأل الله الاعانة والتوفيق
قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام : ( إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) فيه من المعاني الإيمانية والدعوية إضافة على ما ذكر :
1) المنزلة العظيمة للتوكل على الله وهو عمل قلبي ذكره الله تعالى في عدة مواضع من كتابه وجاء الأمر به في أكثر من خمسة عشر موضعاً ومنها قوله تعالى : ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) النمل 79 وقوله : (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) الأحزاب 1-3 /45-48 وقوله :( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) المجادلة 10 ، التغابن 12-13
هذا فضلا عن الثناء عليه وذكره كصفة من صفات المؤمنين وغير ذلك . [موسوعة نظرة النعيم 4/1383 ].
يقول ابن القيم : التوكل نصف الدين ، والنصف الثاني الإنابة ، فإن الدين استعانة وعبادة ، فالتوكل هو الاستعانة ، والإنابة هي العبادة ، بل هو محض العبودية وخالص التوحيد ، إذا قام به صاحبه حقيقة .
وقال أيضاً : فأفضل التوكل – التوكل في الواجب – أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس ، وأوسعه وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحو دينية ، أو في دفع مفسدة دينية ، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض ، وهذا توكل ورثتهم ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم . [ تهذيب مدارج السالكين 2/ 535-536 ]
2) يقول ابن سعدي رحمه الله معلقاً على قوله تعالى : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإذنه ، فلو اجتمعتم جميعا على الإيقاع بي والله لم يسلطكم عليّ ، لم تقدروا على ذلك ، فإن سلطكم فلحكمة. [تفسير ابن سعدي هود آية 56 ]
ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : إنه يجد هذه الحقيقة واضحة ، أن ربه ورب الخلائق قوي قاهر ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهراً ، فما خوفه من تلك الدواب وما احتفاله بها وهي لا تسلط عليه إن سلطت إلا بإذن ربه ؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه .
3) وقوله عز وجل : ( إن ربي على صراط مستقيم ) فيه سر بديع نقله ابن القيم رحمه الله فقال : وقال أبو إسحاق : أي هو سبحانه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فإنه لا يشاء إلا العدل .
وقال ابن القيم رحمه الله : وقوله : (إن ربي على صراط مستقيم) مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (عدل فيَّ قضاؤك) أي: لا يتصرف في تلك النواصي إلا بالعدل والحكمة والمصلحة والرحمة، لا يظلم أصحابها ولا يعاقبهم بما لم يعملوه، ولا يهضمهم حسنات ما عملوه، فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله، يقول الحق ويفعل الخير والرشد.[ بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية – جمع يسري السيد 2/436]
ويختم النقاش بين هود عليه السلام وقومه بقوله تعالى : (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ) وفيه قواعد عظيمة وسنن ربانية لا تتخلف ولعلها تكون موضوعا للمقال القادم بإذن الله . إلا أن الملاحظ أن هودا عليه السلام لم يذكر جوابا على قولهم (ما جئتنا ببينة) فهل كانت له بينة عليه السلام؟
يجيب عن ذلك ابن سعدي رحمه الله فيقول : وهم كاذبون في هذا الزعم فإنه (ما من نبي إلا أعطاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر). ولو لم يكن من آيات الرسل إلا نفس الدين الذي جاؤا به؛ أكبر دليل أنه من عند الله لإحكامه وانتظامه للمصالح في كل زمان بحسبه وصدق إخباره، وأمره بكل خير ونهيه عن كل شر.
ثم ذكر رحمه الله أن من آيات هود الخاصة أنه عليه السلام متفرد في دعوته وتسفيه أحلامهم وتضليلهم والقدح في آلهتهم وهم أهل البطش والقوة والجبروت. قصص الأنبياء الشيخ عبدالرحمن ابن سعدي.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 


التعليقات ( 0 )