• ×

يوسف الزين

(إن ربي على كل شيء حفيظ)

يوسف الزين

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد :
فقد قال الله تعالى: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ)
بهذه الآية خُتم النقاش الوارد في سورة هود بين هود عليه السلام وقومه وفيها قواعد وسنن ربانية لاتتخلف وهي مما يحتاجه كل داعية:
فأولها: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم)
فمهمة الداعية البلاغ سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا ، كما قال تعالى: (وإن تولوا فإنما عليك البلاغ) المائدة 92 . وقال: (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) الرعد 40 . وجاء أيضا تحديد أكثر للبلاغ فقال تعالى في موضعين: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) النور 54 ، يقول الدكتور عبدالكريم بكار حفظه الله: الوظيفة الأساسية للرسل عليهم الصلاة والسلام ليست إعمار الأرض ولا توفير الرفاهية للناس أو إطعام الفقراء وإنما تبليغهم الرسالة التي حمَّلهم الله تعالى إياها.
ويقول أيضاً: وقد عبر لنا القرآن الكريم بجلاء عن ذلك الهدف المحوري من بعث الرسل فقال تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق) غافر15 إن الإحساس بيوم التلاق وتبعاته هو الذي ينبغي أن يسيطر على مشاعر الناس، حتى يستقيموا على الشريعة ويعمروا الأرض ويتراحموا بينهم، وقد ذكر حفظه الله عدة فوائد تجنيها الأمة من البلاغ المبين ومنها:
1- جعل حياة الأمة مشدودة نحو هدف واحد، إذ إن تبليغ الرسالة يحول دون انسياق الأمة خلف أهداف مشتتة متناقضة.
2- أنه يعلم الناس تحمل مسؤولياتهم تجاه أنفسهم ودينهم ومجتمعهم وما أصيبت الأمم بداء أخطر من فقد الشعور بالمسؤولية، والدعوة تمكن الناس من معرفة ما يجب عليهم أن يفعلوه ونتيجة عدم استجابتهم وبالتالي تتولد فضيلة الشعور بالمسؤولية. (مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي 170 بتصرف).
ثانيها: (ويستخلف ربي قوما غيركم) فالأمر لله عز وجل والكون ملكه تعالى فمهما بطشتم وعارضتم وكذبتم فإن من حسنة الله تعالى أنه يهلك المكذبين ويستخلف آخرين بعدهم وهذا فيه بث للأمل في نفوس الدعاة، وأنه وإن زاد التحدي وانتفش الباطل فينبغي أن يتذكروا : (ويستخلف ربي قوما غيركم).
ثالثها: (ولا تضرونه شيئا) فالله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين، كما قال تعالى:(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) الإسراء7 وكما في حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) رواه الإمام مسلم .
رابعها: (إن ربي على كل شيء حفيظ) وهذه خاتمة النقاش، يقول القرطبي رحمه الله: أي لكل شيء حافظ "على" بمعنى اللام فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء، وحين يتذكر الداعية هذا المعنى الجليل يدعوه ذلك للاستمرار في الدعوة والعمل الصالح، وأنه مهما بذل الكافرون والمنافقون في الصد عن سبيل الله فليتذكر : (إن ربي على كل شيء حفيظ).
وفي ذكر هذا الاسم مناسبة ظاهرة، فالقوم أصحاب بطش وقوة وقد تحداهم هود عليه السلام كما سبق، فمن المتوقع أن ينالوه بأذى فكان ذكر اسمه تعالى "الحفيظ" مناسب جداً.
واسمه تبارك وتعالى الحفيظ له معنيان:
أحدهما: أنه قد حفظ على عباده ما عملوه من خير وشر وطاعة ومعصية، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ووكل بالعبادة ملائكة كراماً كاتبين كما قال تعالى: (وإن عليكم لحافظين . كراماً كاتبين . يعلمون ما تفعلون) الانفطار 10-11-12
الثاني: أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون وحفظه لهم نوعان: عام، وخاص.
فالعام حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيمها ويحفظها وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته كما قال تعالى: (الذي قدَّر فهدى) الأعلى 3 .
والخاص حفظه لأوليائه فيحفظهم عما يضر إيمانهم ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك).
شرح أسماء الله الحسنى سعيد بن علي القحطاني 13 "بتصرف".
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


التعليقات ( 0 )