• ×

يوسف الزين

(قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ)

يوسف الزين

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الهم وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فقد سبق في الحلقات الماضية عرض النقاشات التي وقعت بين هود عليه السلام وقومه وإتماما لهذا العرض اخترت آية وردت في سورة الشعراء اعتقد أنه يحسن الوقوف معها علما أنه سبق التعليق على ما جاء في سورة الشعراء لكن دون ذكر هذه الآية، يقول الله تعالى (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (139)) [الشعراء 123-139]
وتشتمل هذه الآيات على موعظة وعظ بها هود عليه السلام قومه (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)) وفي هذا الكلام وعظ وتذكير بعدم الاغترار بالنعم وحث على شكر المنعم سبحانه (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) وكان جواب القوم (سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ)
يقول ابن سعدي رحمه الله : أي الجميع على حد سواء وهذا غاية العتو، فإن أقواما بلغت بهم الحال إلى أن صارت مواعظ الله التي تذيب الجبال الصم الصلاب وتتصدع لها أفئدة أولي الألباب وجودها وعدمها عندهم على حد سواء لقوم انتهى ظلمهم واشتد شقاؤهم وانقطع الرجاء من هدايتهم [ص 227- طبعة الرسالة]
وفي هذا الجزء من القصة فوائد دعوة ومسلكية عديدة ومنها :
1- أن ما حصل من قوم هود ينبغي أن يدعو كل مسلم إلى الخوف الشديد من الإعراض عن الموعظة أو أن يقول لست بحاجة إليها.
2- الوعظ كما عرفه الراغب الأصفهاني: زجر مقترن بتخويف ونقل عن الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب وقد سمى اله كتابه الكريم موعظة فقال عز من قائل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [يونس : 57] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )[النحل : 125] وقال (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) [النساء : 63] وذلك في سياق الحديث عن المنافقين وقال عز وجل (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ : 46] وقال عز وجل في التعليق على أحداث عزوة أحد (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) [آل عمران : 138] وغير ذلك مما جاء في كتاب الله تعالى، وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد)) الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، وقال ابن مسعود رضي الله عنه (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا) رواه البخاري ومسلم، فالموعظة منهج قرآني وأسلوب دعوي سلكه الأنبياء مع أقوامهم واتبعه نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته للناس وفي خطبة التي يخطبها على أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين لاحظ أخي القارئ الوصية التي تلت الموعظة في حديث العرباض رضي الله عنه (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد) وكيف جعل صلى الله عليه وسلم تقوى الله والسمع والطاعة وصية ختامية لموعظته التي ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب.
3- ما سبق ذكره من النصوص يؤكد أهمية العناية بالموعظة وعدم إهمالها ولا تقتصر على عامة المسلمين أو حديثي الاستقامة والتوبة بل حتى العلماء والدعاء وطلبة العلم بحاجة إلى الموعظة خلافا لما يظنه البعض من أن هؤلاء محتاجون للمسائل العلمية والفكرية والدعوية والقضايا الساخنة مع مراعاة أن لكل مقام مقالا.
4- ينصرف بعض الناس عن المواعظ والوعاظ لأسباب كثيرة قد يكون بعضها صحيحا والبعض الآخر مبالغ فيه ومن تلك الأسباب :
أ‌- مبالغة بعض الوعاظ في وصف تقصير الناس أو تقنيطهم أحيانا من رحمة الله.
ب‌- عدم التركيز في الموعظة أي جمع عدة موضوعات في الموعظة الواحدة مما يفقد المستمع الفائدة المرجوة وبالتالي يجعله ذلك ينصرف عن المواعظ.
ت‌- الإطالة من بعض الوعاظ وجميع عدة موضوعات كما سبق
ث‌- إيراد الأحاديث الضعيفة والقصص الواهية
ج‌- الأخطاء اللغوية والأسلوبية فقد يستخدم الواعظ كلمات غير مناسبة لوصف أمر من الأمور أو يقع في أخطاء لغوية ويؤدي ذك إلى انصراف بعض الناس عنه وخصوصا المثقفون والذي يتذوقون اللغة العربية وهذه الأسباب ينبغي أن تدعو كل واعظ وداعية إلى العناية بالموعظة والتحضير المسبق لها مع مراعاة الجوانب التي سأذكرها في الفقرة التالية
5- مما ينبغي لمن يعظ الناس أن ينتبه إلى عدة أمور:
أ‌- الإخلاص لله عز وجل قال تعالى (فاعبدوا الله مخلصين له الدين) والحذر كل الحذر من الإعجاب بالنفس فإن القدرة على الوعظ موهبة من الله عز وجل يهبها لمن يشاء من عباده (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)
ب‌- أن يكون قدوة في نفسه قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف : 2] وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يحطن الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول إن كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وأنهى عن المنكر وأفعله) متفق عليه . ولا يفهم من هذا أن يترك الوعظ والدعوة لكن يفهم منه أن على المسلم أن يسعى لتكميل نفسه وألا يكون ممن همه فقط النظر في أخطاء الناس ونقائصهم وعيوبهم دون النظر إلى عيوب نفسه، ثم أن الواعظ إذا وقع فيما يقع فيه الناس من المحرمات لم يكن لوعظه أثر غالبا إلا إذا سعى للتخلص مما هو واقع فيه، والغالب أن الإنسان إذا كان صادقا في موعظته وتعليمه فإنه يرزق العمل، وأما إذا كان هدفه إظهار علمه وقدراته الخطابية ونحو ذلك فقد يحرم الانتفاع بالموعظة وقد لا يؤثر في الناس.
ت‌- الوعظ بالقرآن وبما صح من السنة النبوية وكلام السلف وذلك أن البداية من خلال النصوص وخصوصا القرآنية والنبوية تفتح للمتحدث آفاقا، كما أنها تربي الناس على الأخذ من هاذين المصدرين العظيمين، كما أن لها تأثيرا واضحا على المستمعين فإن المتكلم إذا أكثر من النصوص القرآنية والنبوية وكذا كلام السلف صار لكلامه أثر واضح وكلما أكثر النصوص زاد كلامه بهاءا، ثم إن طريقة القرآن في الوعظ الجمع بين الحكم والترغيب فيه أو الترهيب من تركه وهي طريقة فريدة فكثيرا ما تختم آيات الأحكام بالأمر بالتقوى أو التحذير من شدة عقاب الله عز وجل أو التذكير بسعة رحمته تعالى ونحو ذلك، ومثل ذلك يقال في نصوص السنة النبوية الصحيحة والمطلع مثلا على صحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله يجد فيهما من النصوص في الرقائق والمواعظ الشيء الكثير، وقد فعلت ذلك شخصيا وذلك بقراءة نص من الكتاب أو السنة ثم التعليق عليه وذكر الشواهد الأخرى عليه ووجدت له تأثيرا أو قبولا واضحا لدى طوائف كثيرة بحمد الله تعالى.
ث‌- التوازن في الترغيب والترهيب وهو منهج قرآني سلكه الأنبياء مع أقوامهم. يقول الدكتور محمد السيد الوكيل معلقا على قوله تعالى في القصة (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ) وهكذا ينبغي للدعاء أن يراوحوا في أسلوب الدعوة فيبدأون بالرفق واللين ويصبرون على ما يقال لهم ويستمرون في هذا الأسلوب أطول فترة ممكنة، فإذا وجدوا في القلوب قسوة ولمسوا في النفوس تجبرا، يبدأون في أسلوب العنف والتشديد. إلى أن يقول: ولكن ينبغي ألا يستعمل هذا الأسلوب إلا في فترات قصيرة وخطفات عابرة لأنه قد يؤدي إلى عكس المطلوب وأشار بعد ذلك إلى أن أسلوب التهديد والوعيد لا يتكرر كثيرا عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولكنهم يثيرونه مرة ويلجئون إلى الترغيب وتعداد النعم [نظرات في أحسن القصص: 1/111]
ج‌- العناية باللغة العربية وتجنب اللحن ما أمكن فالقرآن نزل بلسان عربي مبين ونبينا صلى الله عليه وسلم كان من أفصح العرب عليه الصلاة والسلام، كما أن الملاحظ أن الخطيب والواعظ الذي يعتني بأسلوبه ولغته يكون لوعظه قبول وتأثير بخلاف غيره ومن أفضل الطرق لتصحيح الكلام واعرابه قراءة القرآن والسنة وكلام العرب الفصحاء على شيخ متقن في القرآن أو الحديث أو اللغة العربية .
قال ابن رجب رحمه الله معلقا على قول العرباض رضي الله عنه "موعظة بليغة" : والبلاغة في الموعظة مستحسنة، لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها، والبلاغة هي : التوصل إلى افهام المعاني المقصورة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها في القلوب، وكان صلى الله عليه وسلم يقصر خطبته ولا يطيلها بل كان يبلغ يوجز. [جامع العلوم والحكم 2/111]
أسأل الله عز وجل أن يرزقنا حسن القول والعمل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.


التعليقات ( 0 )