• ×

يوسف الزين

كيف أشرك قوم نوح؟

يوسف الزين

 0  0  3.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :
كان الغلو هو المدخل الذي دخل به الشيطان على قوم نوح حتى فشا فيهم الشرك، والغلو: مجاوزة الحد، وقد تكون تلك المجاوزة في العبادة، وقد تكون في العمل، وقد تكون في الثناء[1] ، وكان غلو قوم نوح في الصالحين الذين ماتوا منهم . 
وسبب ذلك الغلو -والعلم عند الله تعالى- محبة القوم لأولئك الصالحين، وتقديرهم لهم .وقد دعاهم الشيطان إلى أن ينصبوا في مجالسهم التي يجلسون فيها أنصاباً تذكرهم بهم وتكون عوناً لهم على عبادة الله، وهذه الوسيلة التي استخدمها الشيطان " الصور" ،سوف يأتي حديث خاص بشأنها بإذن الله تعالى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: " ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت"[2].
إذاً مجاوزة الحد في التقدير والاحترام كانت سبباً مباشراً لظهور الشرك مع الأسباب الأخرى كالجهل وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرهما.ٍوقد تحول التقدير والاحترام إلى تقديس وتأليه كما قال الله تعالى (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) [نوح : 23] ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "عُبدت".
وقد صار هذا النوع من الغلو سبباً لغلو الكثير من الأمم بعد ذلك :
فاهل الكتاب وقعوا فيه كما قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) [النساء : 171].
ولقد غلا النصارى في عيسى عليه السلام حتى جعلوه إلهاً قال الله تعالى: (لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [المائدة : 17].
وانتقل الغلو إلى هذه الأمة المحمدية، واتخذ صوراً متعددة ووقع ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) [رواه البخاري].
ومن أبرز من مارس ذلك واتخذه نوعاً من العبادة المتصوفة على اختلاف بينهم في درجاته حتى أوصله بعضهم إلى درجة تماثل درجة الألوهية تعالى الله عن ذلك؛ وقد قال البوصيري قي قصيدته المشهورة " نهج البردة" يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها **** ومن علومك علم اللوح والقلم.
وقال أيضاً:
ياأكرم الخلق مالي من ألوذ به **** سواك عند حلول الحادث العمم.
ولم يكتف القوم بهذا مع كونه شركاً ، بل انتقلوا إلى الصالحين من هذه الأمة فقاموا ببناء الأضرحة على قبورهم والطواف بها وتقديم القرابين لها، وكل ذلك محرم لا يجوز بل هو الذي حذر منه الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فعن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( أولئك إذا كان الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) [متفق عليه].
وغلا الرافضة في آل البيت وعلي بن أبي طالب رضي اله عنه على سبيل الخصوص، ومن ذلك قول أحد أئمتهم: " ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولادة علي عليه السلام، وما كلم الله موسى تكليماً إلا بولاية علي عليه السلام، ولا أقام الله عيسى ابن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي عليه السلام.." [3] ولا شك ببطلان هذا الكلام وهذا غيض من فيض وقطرة من بحر ، كما غلا القوم في أئمتهم بعد علي رضي الله عنه غلواً كبيراً وكله مبثوث في كتبهم [4].وليس هذا مكان بسطه.
أخي القارئ لعلك لاحظت أن الذي دعا قوم نوح وكذا النصارى والمتصوفة والروافض إلى الغلو محبة من غلوا فيه وتقديره تقديراً زائداً ، والمغالاة في مدحه لدرجة التقديس ، ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً بين التقدير والاحترام والتقديس، فحق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تصديقهم والإيمان بهم جميعاً والعمل بشرع خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن نقدرهم ونقدم أقوالهم على قول أي أحد كائناً من كان، لكن لا يجوز أن يصل ذلك إلى تقديمه على قول الله تعالى، ومن بعد الأنبياء عليهم السلام من الصحابة والعلماء ونحوهم لهم حق التقدير والاتباع فما أصابوا الحق فيه وأما ما خالفوا فيه الحق فلا يؤخذ به، ومع ذلك فلا يجوز الوقوع فيهم بالذم ونحوه ومثلهم الحكام في ذلك.
أخي القارئ إذا كان ماسبق تجاوز للحد في المدح وغلو فيه فهناك طرفٌ آخر على الضد منه تماماً كما قال اليهود فيما حكاه الله عنهم: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماًوَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ) [النساء : 157].
وفي هذه الأمة وقع الخوارج في الغلو وقد حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيهم سهل بن حنيف رضي الله عنه حين سئل: هل سمعت النبي صلى اله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئا؟ قال: سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق: (يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( فإن لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة) [رواه البخاري] ، وقد كانوا خرجوا على علي رضي الله عنه وكفّره بعضهم [5] فدعاهم إلى الحق ثم قاتلهم بعد ذلك حين لم يستجيبوا له، وحين قاموا بقتل عبد الله بن خباب رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم [6] فقاتلهم رضي الله عنه وأرضاه في معركة النهروان ، وقد قتلوه رضي الله عنه بعد ذلك [7].
ولعلك تلحظ أخي القارئ أن غلو الخوارج كان في جانب الإنكار، وقد تبعهم على ذلك طوائف من المسلمين قديماً وحديثاً ، اتفقوا معهم في الغلو واختلفوا في تفصيلات أُخر ليس هذا مجال التفصيل فيها، ولعل ما يجري في بلاد المسلمين بين الفترة والأخرى من تفجيرات ونحوها على أيدي بعض شباب المسلمين له تعلق بذلك وفيه من الغلو الذي حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث عدة منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والغلو..)
أخي القارئ الكريم.. هذا عرض مقتضب من آثار الغلو في الأمم السابقة وفي الأمة المحمدية ، وقد تركت الكثير الكثير مع ملاحظة أن عموم من ذكرت من الغلاة قد يجمعون بين المتناقضات، وهذا كله من إغواء الشيطان وكيده أعاذنا الله من، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.والحمد لله رب العالمين.

 


 

 

[1] مفردات الراغب 613مادة غلا، مجموع فتاوى ابن عثيمين 9/366.
[2] سبق تخريجه.
[3] أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية2/616نقلاً عن بحار الأنوار 26/294.
[4] المصدر السابق2/613-653.
[5] البداية والنهاية 7/315 أحداث سنة 37هـ.
[6] البداية والنهاية7/318.
[7] المصدر السابق.7/316 أحداث سنة 40هـ.


التعليقات ( 0 )