• ×

يوسف الزين

(يا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا) (2)

يوسف الزين

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد :
في الآية الأخيرة وما بعدها فوائد متعددة، غير ما ورد في المقال السابق ومنها :
1- المفاصلة بين أهل الكفر وأهل الإيمان ، وأن الرابطة المعتبرة هي رابطة العقيدة، وهي تزيل ما سواها ، فحين اتضح الأمر لنوح عليه السلام وأن ابنه ليس من الناجين بل من الكافرين قال :[ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ] [هود : 47] وكانت زوجته مثلاً ضربه الله تعالى : [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ] [التحريم : 10] قال ابن كثير رحمه الله : " أي في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم وأن ذلك لا يجدي عنهم شيئاً ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم" [تفسير القرآن العظيم :8/3572]. وقال بن سعدي رحمه الله : " فكأن في ذلك إشارة وتحذيراً لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم عن المعصية ، وأن اتصالهن به صلى الله عليه وسلم لا ينفعهن شيئاً مع الإساءة" [تفسير السعدي].
وهذا المثل ورد كما هو معلوم في سورة التحريم والتي ابتدأت بذكر حادثة وقعت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين بعض نسائه يقول سيد قطب رحمه الله معلقاً : " إن مبدأ التبعة الفردية يراد إبرازه هنا، بعد الأمر بوقاية النفس والأهل من النار ، كما يراد أن يقال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأزواج المؤمنين كذلك أن عليهن أنفسهن بعد كل شيئ، فهن مسؤولات عن ذواتهن، ولن يعفيهن من التبعة أنهن زوجات نبي صالح من المسلمين" [في ظلال القرآن 6/3621].
2- الجزاء من جنس العمل ، فلما صبر نوح صلى الله عليه وسلم على رد قومه لدعوته واتهامه بالجنون والكذب والضلال وفقد ابنه ورآه يغرق وكان يحب نجاة ابنه وقومه وينادي ابنه : [يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ][هود : 42] كان جزاءه أتم الجزاء وأوفاه :[ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ] [الصافات : 78]. قال بن كثير رحمه الله: " [وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ] قال علي بن أبي طلحة عن بن عباس: الناس كلهم من ذرية نوح ، وقوله: [ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ] قال بن عباس : يذكر بخير ، وقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين." [تفسير القرآن العظيم بتصرف: 7/2980].
3- أهمية التلطف والتودد في الكلام مع من ندعوهم ونربيهم فالخطاب من نوح عليه السلام لقومه [ ياقومِ] ولابنه [ يابني] ومع علمه صلى الله عليه وسلم بأن ابنه من الكافرين وهذا الخطاب بما يحمل من الشفقة وإظهار المودة نحتاجه كثيراً في حياتنا ودعوتنا خصوصاً مع أقرب الناس إلينا آبائنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأولادنا وبناتنا ، وإن جزءاً لا بأس به من المشكلات التي تقع في البيوت سببه الحرمان العاطفي.
4-  الحذر من أن تزل العاطفة والشفقة بصاحبها لقرابة ونحوها فيقع فيما حذر الله تعالى منه عباده فقال: [لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] [المجادلة : 22] ، وقال تعالى: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ][التوبة : 114] [1]

[1] هذه الفائدة وما قبلها مستفادتان من مقال غير منشور بعنوان : دروس من قصة نوح عليه السلام للمشرف العام على الموقع د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي حفظه الله مع زيادة وتصرف .


التعليقات ( 0 )