• ×

يوسف الزين

فوائد من قصة نوح

يوسف الزين

 0  0  5.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

فوائد من قصة نوح

[ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ]

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبق في الحلقة الماضية سرد الاتهامات التي وجهت إلى نوح عليه السلام، والتي تولى كبرها،نشرها،إذاعتها الملأ وهم الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم للرسل [1] ، وهم يصنعون ذلك لأنهم يعلمون أن الدعوة إلى الله وتعبيد الخلق له سوف تنتزع عنهم ماهم فيه ، أنهم يسيعبدون الناس ويذلونهم وهذه الدعوة تربي الناس على الحرية والعبودية لمن يستحق العبادة وحده وهو الله رب العالمين، وما زالت الصورة تتكرر في كل زمان ، فالملأ من قوم هود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين قد وقفوا أمام الدعوة وصدوا عن سبيل الله أعظم الصّد كما فعل الملأ من قوم نوح عليه السلام.

ويظهر من كيفية رد نوح عليه السلام على القوم أن الردود والمجادلة للوصول إلى الحق من الوسائل التي ينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يعطوها حقها على ألا تكون هي الأصل ويترك تعليم الناس الخير والإقبال على نفع النفس والناس ، وفيما فعله نوح عليه السلام تتجلى جوانب واضحة في منهجية الرد والجدل ومنها:

- العناية بإيضاح الحق الذي يدعو إليه فقد قال عليه السلام: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)[هود : 28].

- إظهار الشفقة والرحمة، ويظهر هذا جلياً في تكرار لفظة [ياقومِ].

- عدم إغلاق طريق الرجعة والتوبة والتصحيح وهذا ظاهر في قوله: [فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ]. وإذا كانت معماة عنكم فقد ظهرت الآن فافتحوا أبصاركم لها وارفعوا العماية عنها.

- التهيؤ لاستقبال التهم بسماحة واستعلاء وثقة بالحق مع البعد عن الشتم والتهم والادعاء والتجريح الشخصي أو التشنج أثناء الرد مع التحلي بالمناقشة الموضوعية ونقض التهم وهذا مما يدعو العقلاء إلى قبول الحق لرؤيتهم حجج الخصوم تتهاوى أمام الحق المبين ، فلا يملكون إلا الاستجابة له. وتظهر هذه الصفات في نوح عليه السلام فإنه استقبل جميع التهم بصدر واسع رحب ثم بدأ بتفنيدها واحدة تلو الأخرى وأعرض عن تلك الاتهامات الواضح أنها غير صحيحة كقولهم إنه مجنون أو كاذب ، بل رد عليها رداً عاماً [أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ ]، وقد يكون من أسرار ذلك الإعراض أيضاً والعلم عند الله أن الكذب والجنون أمران ظاهران فكيف يتهم بالجنون أو الكذب مَن عُرف صدقه وعقله . وكان يمكن لنوح عليه السلام أن يرد عليهم بأنهم هم الكاذبون - وهم كذابون حقيقة - لكنه خُلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

- الرد على ما يحتاج إلى رد ونقاش ، ويظهر هذا جلياً في اتهام قوم نوح له عليه السلام بالجنون والكذب ، فإنه لم يرد على ذلك، وإنما اتجه إلى ما يحتاج إلى نقاش فأفاض فيه ورد عليهم كقولهم: [مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا]، فقد ناقش ذلك نقاشاً مفصلاً - كما سيأتي لاحقاً إن شاء الله - كا أن السكوت أحياناً عن بعض التهم والادعات يؤدي إلى وأدها وموتها، ويؤيد ذلك المقولة الشهيرة: " أميتوا الشر بالسكوت عنه".

- الصراحة والوضوح ومن أمثلة ذلك قوله تهعالى على لسان نوح عليه السلام: [وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ].

- عدم اشغال النفس كثيراً بالردود لأنها ليست الأصل كما سبق، بل الأصل نشر الحق وبيانه وهذا هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً] [النساء : 165].فهم يبشرون وينذرون ، وليس الجدال والرد على الخصوم أساساً في دعوتهم ، بل يستخدم إذا احتيج إليه. يقول الشيخ أحمد الصويان وفقه الله: " وحد المراء أو الجدال أن ينكر الحق الذي ظهرت دلالته ظهوراً لا خفاء فيه، ويتعصب للباطل الذي ظهرت دلالته ظهوراً لا خفاء فيه، ... - ثم يقول: - والجدال آفة يصاب بها غالباً أولئك القاعدون عن العمل الذين يحبون تغطية قصورهم وعجزهم بكثرة القيل والقال، والإنسان العملي يترفع ويربأ بنفسه عن ذلك، بل لا يملك فراغاً من الوقت يجعله يهدره في مسائل عقيمة وجدالات بيزنطية لا تقدم له شيئا جديداً يستفيد منه في حياته، أو يدخره بعد مماته، وإذا تحولت المجالس العلمية والمحاضن التربوية والدعوية إلى مجالس مراء وجدل، فإنها تقضي على المعادن الكريمة والبذور النبيلة، ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ماضل قوم بعد هدى أتاهم إلا أوتوا الجدل) [2] ، ويتبع في المقال القادم بإذن الله.

 اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين.

 


 

[1] تفسير ابن سعدي1/589 سورة الأعراف. ط:مؤسسة الرسالة.

[2] انظر: الحوار للشيخ أحمد الصويان ص95، والحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، كما ذكر ذلك الشيخ في حاشية الكتاب.



التعليقات ( 0 )