• ×

يوسف الزين

نوح عليه الصلاة والسلام (2/2)

يوسف الزين

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

(يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :

عبادة  الله وتوحيده أول الواجبات وهو ما دعا إليه جميع المرسلين عليهم والصلاة والسلام (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء : 25]

 وكانت بداية ظهور الشرك في قوم نوح صلى الله عليه وسلم كما سبق فدعا قومه إلى عبادة الله وحده كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [هود : 25] وتوحيد الله تعالى والعبودية له لابد فيها من أمرين:

الأول: نفي جميع ما يعبد من دون الله تعالى ، والثاني:إثبات العبودية لله وحده ،وهما ركنا كلمة التوحيد، فأما الأول: وهو نفي جميع ما يعبد من دون الله فقد عانى منه الرسل عليهم الصلاة والسلام أعظم المعاناة ، ذلك أن النفوس إذا ألفت العبودية والخضوع لغير الله سواء كان صنماً أو ملكاً أو مالاً أو جاهاً أو نظاماً أو شهوةً ، صعُب عليها تركه وأنفت من عبودية أحد سواه وكان هذا أحد أسباب دعوة المرسلين من نوح صلى الله عليه وسلم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، حتى قال المشركون منكرين على نبينا صلى الله عليه وسلم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [صـ : 5]

وأما الثاني: فهو إثبات الألوهية لله وحده تعالى وتقدس، وأنه لا معبود بحق سواه سبحانه وبحمده، وهذه الألوهية لا تقتصر على جانب التعبد المحض من صلاة ودعاء ونحو ذلك من العبادات، بل لا بد أن يصبغ العبد حياته كلها بالعبودية والتأله لله عز وجل في عباداته ومعاملاته وكذا الأنظمة والحكومات لا بد أن تكون كذلك قال تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) [البقرة : 138]، وهذا الذي دعا إليه جميع المرسلين عليهم الصلاة والسلام كما سبق، ومن ذلك: أن شعيباً عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده والوفاء بالكيل والوزن، ودعا لوط عليه السلام قومه إلى عبادة الله وحده وعدم إتيان الذكور، فلا يجوز أن تكون هذه القضايا بمعزل عن الدين والعبودية لله رب العالمين، بل لا بد أن تخضع لهذا الدين، لا كما يقول العلمانيون ، ومن تأثر بهم والذين يفصلون الدين عن الدولة والحياة ويرون أنه لا علاقة بين السياسة والدين ، أو بين الأخلاق والدين ، أو بين الاقتصاد والدين قال تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) [البقرة : 138]  ، وتفتقر تلك الألوهية إلى أمرين مهمين لا بد من وجودهما  وهما: المحبة، والذل والخضوع، فإذا جمع العبد بينهما في عبادته صار عابداً لله على الحقيقة. قال ابن القيم رحمه الله: " العبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل ، والتعبد التذلل والخضوع فمن أحببته ولم تكن خاضعاً له ،لم تكن عابداً ، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابداً له، حتى تكون محباً خاضعاً..أ.هـ" [1].

فانظر يا رعاك الله في عبادتك هل احتوت على ذلك فإن العبد إذا كان محباً خاضعاً ذليلاً لمولاه وخالقه ورازقه وجد من لذة العبادة والشوق إليها والحب لها ما لم يجده غيره كما قال صلى الله عليه وسلم (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما... الحديث) [2]

2- يؤخذ من هذه الآية فقه الأولويات والعناية بالقضايا الكبار، وألا ينشغل الدعاة إلى الله عن هذه القضايا بما هو دونها، بل أن تكون هذه القضايا هي المحرك الأساس للدعوة ، وأن يستفاد من كل وسيلة لدعوة  الناس لهذه القضية (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ).

 والحديث حول العبودية وما يتعلق بها حديث ذو شجون وما كتب قليل جداً لكن حسبي أن أذكِّر بما هو مهم ومحتاج إليه حسبما تسمح به طبيعة الزاوية، أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والقبول وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


[1] تهذيب مدارج السالكين1/88.
[2] البخاري الإيمان 16، ومسلم الإيمان 43، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.


التعليقات ( 0 )