• ×

د. رائد السليم

بين التوكل وفعل السبب(1)

د. رائد السليم

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

مقدمة

 

    هذا الكون الفسيح يسير بدقة متناهية وانتظام مدهش للعقول ، تنقضي الأعمار فيه نظراً وتأملاً ، الأمر الذي يدعو للإيمان بالخالق الذي أتقن كل شيء خلقه ، والتسبيح بحمده والخضوع لملكوته .

    وقد مضت سنة الله في كونه أنه جارٍ على نواميس وقوانين وأسباب تحكمه وتسيره ، بأمره تعالى وإذنه ومشيئته ، فالله خالق كل شيء وهو مسبب الأسباب .

    ولو شاء سبحانه لجعل الضياء من غير شمس ، والنور من غير قمر ، والولد من غير نكاح ، وإشعال النار من غير معالجة ، وماء السماء من غير سحاب ، والشفاء من المرض بمجرد الأمنية من غير دعاء ولا دواء ، ولكن رحمته تعالى بعباده اقتضت أن يكون لكل شيء سببا ، إذ لو كان الأمر مجهولاً لطاشت عقول ، وطغت نفوس ، ولما عرف الناس لمصالحهم سبيلاً واضحاً . 

    إن الإيمان بأسباب الحياة المادية هو من صميم الإيمان والتصديق بربنا العظيم ؛ إذ هو خالقها وموجدها والآذن لها بالتأثير ، وفي شمولية نظرة الإسلام للأسباب يقول الإمام ابن تيمية : " السبب المأمور به أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في وجود السبب ، بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب ، إذ ليس في المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب ، ولهذا لا يجب أن تقترن الحوادث بما قد يجعل سببا إلا بمشيئة الله تعالى ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

    فمن ظن الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل ، وأخل بواجب التوحيد ، ولهذا يخذل أمثال هؤلاء إذا اعتمدوا على الأسباب .

    ومن أخذ يدخل في التوكل تاركاً لما أمر به من الأسباب فهو أيضاً جاهلٌ ظالم عاصٍ لله بترك ما أمره ، فإن فعل المأمور به عبادة لله ، وقد قال تعالى : { فاعبده وتوكل عليه}.    

    وليس من فعل شيئا أمر به ، وترك ما أمر به من التوكل بأعظم ذنبا ممن فعل توكلا أمر به وترك فعل ما أمر به من السبب ؛ إذ كلاهما مخل ببعض ما وجب عليه ، وهما مع اشتراكهما في جنس الذنب فقد يكون هذا ألوم ، وقد يكون الآخر ، مع أن التوكل في الحقيقة من جملة الأسباب ، وقد روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه : حسبي الله ونعم الوكيل ، فقال النبي : إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس ، فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل ".مجموع الفتاوى ( 18 / 179 – 181 باختصار ) .

    إن التصديق بالأسباب جزء من منظومة الإيمان ، لأن فيها من أسرار عظمة الخالق ورحمته وحكمته وإتقان صنعه ما يبهر الناظر ويزيده إيمانا .

    ويجيء الدعاء واللُّجُوء إلى الله في طليعة الأسباب المودعة في الكون ، تحصيلاً للمطلوب ، وعصمةً من المرهوب ، و تحقيقاً للسعادة الكبرى والطمأنينة العظمى .

    الدعاء وسيلة المؤمن وحليته وحيلته قبل كل وسيلة وحلية وحيلة ، فإنه إذا لم يكن من الله عونٌ للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن ، فكم من الناس من اتكأ على السبب المادي الكوني – المشروع - تاركاً السبب الروحي الوجداني فوقع في ورطات الأمور ومنقلِبات الأحوال ، كمن استغنى عن دعاء الله في جعل النكاح مباركاً اتكالاً على كون النكاح سبباً للولد ، فقد يبطل الله هذا القانون الكوني فيه ، كأن يجعله عقيماً ، أو يموت ولده ، أو تمحق بركته حتى يتمنى موته _ نسأل الله العافية_.

    ومثل هذا المثال كثير ، فإن العبد مطلوبٌ منه عقلاً و شرعاً أن يؤمن بالأسباب ، ولكن من غير غفلة عن مسببها سبحانه ، بل يأوي بقلبه بكليته على رب هذه الأسباب وموجدها ، ويقدم الاتكال عليه وطلب توفيقه وعونه على ما تلمسه يده من الحقائق المادية .

    والدعاء مع عظيم نفعه ليس إلا سبباً ، فإن عارض سبباً كونياً آخر لم يقع أثره ، بل ربما صار نوعاً من الاعتداء ، كدعاء العزب بالولد ، والمبتور بنبات الجارحة ، وذو الطباع الحادة بحسن الخلق في ساعة من الزمن من غير دربة وتعويد وصبر و مصابرة .

    إن الإيمان بالله وفعل السبب كجناحي طائر ، لا بد من اقترانهما وتعاضدهما وكفاءة أدائهما ، وليس بينهما تعارض ولا تضاد ، بل إن الإيمان بأحدهما – بحق – يستلزم الإيمان بالآخر .

    ولما كان أصل الإيمان بالأسباب هو الإيمان بالله تعالى مسببها ، صار أحد ذينك الجناحين أقوى ، فقد يجيب الله تعالى من دعاه بصدق وتوكل عليه بحق في كشف ملمّات ومدلهمات كشفاً ربانياً من غير سببٍ مادي مع جريان العادة الغالبة أن كشف مثل تلك الأمور لا بد فيه من أسباب مادية ، مثل معافاة الربّ عبدَه من غير تداوٍ بسبب مادي ، أو رزقه إياه رزقاً مدراراً بمحض فضله من غير كدٍّ ولا تعب ، والشواهد على ذلك تطول ، وهذا من جنس كرامات الأولياء ، وأعلى منها معجزات الأنبياء والتي أبطل بعضُها أسباباً كونية – كرامة من الله لأنبيائه وبياناً بأن أسباب الكون لا تقوم بنفسها - مثل كون النار برداً وسلاماً ، و نبع الصخر بالماء ، وإسالة عين القطر ، وشق القمر نصفين .

    وبعد هذه المقدمة حول الأسباب وعلاقتها بالإيمان ، يحسن بنا أن نعرج على مثالين من السنة النبوية ، تتجلى فيهما أنوار هذه الحقيقة ، ويدلان على أهمية السبب الرّوحي والمادي في كشف البلاء ودفعه ، وذلك في الجزأين القادمين ، بإذن الله تعالى .

والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



التعليقات ( 0 )