• ×

د. رائد السليم

بين الشؤم و إراحة النفس فيما لا طاقة لها به

د. رائد السليم

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده ، وصلى الله على من لا نبي بعده ، وبعد :

فقد نهى الإسلام عن أفعال الجاهلية المنافية للإيمان بالله تعالى ، ومنها الطِّيَرة ، وهي التَّشاؤُم بالشَّيء ، وأصلُه فيما يُقال : التّطير بالسَّوانح والبَوارِح من الطَّيْر والظباء وغَيرهما ، حيث يعتمدون على الطير ، فإذا خرج أحدهم لأمر ، فإن رأى الطير طار يمنة تيمّن به واستمرّ ، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع ، وكان ذلك يَصُدّهم عن مَقاصِدِهم ، ومصالحهم ، فنفاه الشَّرْعُ ، وأبْطَله ونهى عنه ، وأخبرَ أنَّه ليس لذلك تأثيرٌ في جَلْب نفْعٍ أو دَفْع ضَرٍّ ، إذ النافع الضار هو الله وحده . (1)

وبما أن الشرع محكمٌ من لدن حكيم رحيم ، وأن الشريعة لا تأتي بالمشقة والعسر ، فقد ورد في السنة المطهرة مندوحةٌ لمن توالى عليه شرٌ من جهة ما أن يريح قلبه من هذا العناء ويبحث عن بديلٍ ومخرج ، ففي الأرض متسع وفي الدين فسحة ، وذلك درءاً للمفاسد المترتبة على البقاء الملزمِ على ما تكرهه النفوس .

ومما ورد في ذلك ما رواه أنس بن مالك ، قال : قال : رجل : يا رسول الله ، إنا كنا في دار كثير فيها عددنا ، وكثير فيها أموالنا ، فتحولنا إلى دار أخرى ، فقلّ فيها عددنا ، وقلت فيها أموالنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذروها ذميمة . (2)

ففي هذا الحديث  أنّ رجلاً كان كثير المال والولد ، فكان من أمره أن انتقل إلى دارٍ أخرى ، فقلّ ماله ، وولده ، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً له بذلك ، شاكياً أمره إليه ؛ لِما عَلِم من رحمته صلى الله عليه وسلم وعطفه على أصحابه ، فكان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم له أن ينتقل من داره تلك إلى دارٍ أخرى غيرها .

فهل ذلك مستثنى من الطيرة المنهي عنها ؟ أو له تأويل آخر ؟ سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الفوائد .

    ما يؤخذ من الحديث

  1. جواز الإخبار بنَقْص الأموال والأنفس إذا كان على غير جهة التسخّط والجزع ، وإخبار الصحابي هنا لأجل المشورة فيما حلّ به .  
  2. وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي بقوله : " ذروها ذميمة " ، أي مذمومة ، قال العلامة ابن القيم : " ليس هذا من الطيرة المنهي عنها ، وإنما أمرهم بالتحول عنها عند ما وقع في قلوبهم منها ؛ لمصلحتين ومنفعتين :
    • إحداهما : مفارقتهم لمكان هم له مستثقلون ، ومنه مستوحشون ؛ لما لحقهم فيه  ونالهم ؛ ليتعجلوا الراحة مما داخلهم من الجزع في ذلك المكان والحزن والهلع ؛ لأن الله عز وجل قد جعل في غرائز الناس ، وتركيبهم استثقال ما نالهم الشر فيه ، وإن كان لا سبب له في ذلك ، ولأن الله عز وجل بعثه رحمة ولم يبعثه عذاباً ، وأرسله ميسراً ، ولم يرسله معسراً ، فكيف يأمرهم بالمقام في مكان قد أحزنهم المقام به ، واستوحشوا عنده ، لكثرة من فقدوه فيه لغير منفعته ولا طاعة ولا مزيد تقوى وهدى.
    • ثانيهما : أن طول مقامهم فيها بعد ما وصل إلى قلوبهم منها ما وصل قد يبعثهم ويدعوهم إلى التشاؤم والتطير فيوقعهم ذلك في مقارنة الشرك ... ". (3)
  3. وفي قوله " ذميمة " جواز وصفها بذلك ، وأن ذكرها بقبيح ما جرى فيها سائغ من غير أن يعتقد ذلك كائناً منها . (4) 
  4. سبق في التخريج ذكر الحديث الصحيح : " إنما الشؤم في ثلاثة : المرأة ، والفرس، والدار " ، ولأهل العلم تجاهه ثلاثة مسالك :
    • المسلَك الأول : الأخذ بظاهره ، فقد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة ، فيجعلها الله سبباً للضَرَر والهَلاَك ، فالتشاؤم بها جائز مستثنى من عموم النهي عن الطيرة .(5)

فقد سئل مالك بن أنس عن الشؤم في الفرس والدار ، فقال : " كم من دار سكنها ناس فهلكوا ، ثم سَكَنَها آخرون فهلكوا ، فهذا تفسيره فيما نرى ، والله أعلم "(6)

ونُسِب هذا القول إلى أبي سليمان الخطابي .(7)

  • المسلَك الثاني : إبطال صحة الحديث ، أو القول بنسخه .

وإبطال صحته مرويٌّ عن عائشة رضي الله عنها .(8)

وقد ذكر ابن القيم ، وابن حجر : أن قولها رضي الله عنها مرجوح ، وأن الحديث ثابتٌ من غير طريق أبي هريرة ، فقد رواه ابن عمر ، وجابر ، وسهل بن سعد الساعدي ، وأحاديثهم في الصّحيح . (9)

وذكر ابن عبد البر أنه يحتمل أن الحديث في أول الإسلام ، ثم نسخ .(10)

وردّه ابن حجر لأن النسخ لايثبت بالاحتمال ، مع إمكان الجمع . (11)

  • المسلَك الثالث : تأويله ، وعدم الأخذ بظاهره ، وقد اختلفوا في ذلك :

فمنهم من قال : هو إخبارٌ عما تعتقده الجاهلية .

وردّه ابن العربي ، والقرطبي .(12)

ومنهم من قال : هذه الأشياء الثلاثة يطول تعذيب القلب بها ، مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى ، والصحبية ، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها ، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب . (13)

اختاره القاضي عياض ، ومال إليه القرطبي . (14)

ومنهم من قال : إضافة الرسول صلى الله عليه وسلم الشؤم إلى هذه الثلاثة مجاز واتساع ، أي قد يحصل مقارناً لها وعندها ، فهي من باب العادة والموافقة التي أجارها الله تعالى ، لا أنها هي في أنفسها مما يوجب الشؤم.

اختاره ابن العربي ، وأطال فيه ابن القيم ، ومال إليه ابن حجر .(15)

ومنهم من قال : الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها ، وتطيّر بها ، فيكون شؤمها عليه ، ومن توكّل على الله ، ولم يتشاءم ، ولم يتطير ، لم تكن مشؤمة عليه ،  وردّه ابن عبد البر . (16)

وقد تأوّل بعض العلماء مقولة مالك بن أنس الماضية ، فذكر ابن العربي أنه لم يرد إضافة الشؤم إلى الدار ، ولا تعليقه بها ، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها ، فيخرج المرء عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بباطل . (17)

قال ابن حجر : " وما أشار إليه ابن العربي من تأويل كلام مالك أولى ، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى ، والمراد بذلك حسم المادة ، وسد الذريعة ، لئلا يوافق شيء من ذلك القدر ، فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة ، فيقع فيما نهي عن اعتقاده "(18) .

    هذا ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

 

 

( 1 ) انظر : النهاية لابن الأثير ( 3 / 152 ) ، شرح النووي على مسلم ( 14 / 314 ) ، فتح الباري لابن حجر ( 10 / 262) .  

( 2 ) أخرجه أبو داود ( كتاب الطب ، باب في الطيرة ، 4 / 20 ) ح ( 3924 ) ، البخاري في الأدب المفرد ( 1 / 316 )  ، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ( 71 ) ، والبيهقي في سننه ( 8 / 140 )، وفي رواية ابن قتيبة : وهي ذميمة .

    ورجاله ثقات ، وإسناده متصل لولا تدليس عكرمة بن عمار اليمامي ، وقد عنعن ، وانفرد به عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، ولهذا – والله أعلم – قال أبو عبد الله البخاري : في إسناده نظر 0 ( الأدب المفرد 316 ) .

    وقد ورد  معنى الحديث من طرق أخرى ، منها :

    أولاً : عن عبد الله بن مسعود .

    أخرجه ابن عدي في الكامل ( 3 / 463 ) ، والبيهقي في الشعب ( 2 / 125) من طريق سكين بن عبد العزيز ، عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، بنحو حديث الباب .

    وفيه إبراهيم الهجري ، قال الذهبي : ضعف ، وقال ابن حجر : لين الحديث ، رفع موقوفات .

    الكامل لابن عدي 1 / 211 ، تهذيب الكمال 1 / 136 ، ميزان الاعتدال 1 / 65 ، الكاشف 1 / 225 ، التقريب 116 0

    ثانياً : عن أبي هريرة .

    أخرجه ابن عدي في الكامل ( 3 / 231 ) من طريق زمعة بن صالح ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، بنحوه .

    وفيه : زمعة بن صالح ، ضعيف 0 ( التقريب 340 ) ، وحديثه عن الزهري أشد ضعفاً. ( انظر : تهذيب الكمال 3 / 31 )

    وقد انفرد به عنه ؛ فلذا فالخبر منكر ، والله أعلم.

    الثالث : عن سهل بن حارثة.

    أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (  4 / 180 ) ، والطبراني في الكبير ( 6 / 104 ) من طريق يعقوب بن حميد ، عن أنس بن عياض ، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن سهل بن حارثة الأنصاري ، بنحوه .

    وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب ، متكلم فيه ، وضعفه بعضهم 0 ( تهذيب الكمال 8 / 167) .

    وهو مرسل ، حيث لا تصح لسهل بن حارثة صحبة ، قاله ابن منده ، وكذا نفاها عنه غيره 0 ( انظر : الإصابة لابن حجر 3 / 137 ) .

    الرابع : عن عبد الله بن شداد بن الهاد .

    أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 10 / 411 ) عن معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، مرسلاً ، بنحوه ، وزاد : فكيف نصنع بها يا رسول الله ؟  قال : تبيعونها ، أو تهبونها.

    قال ابن حجر : إسناده صحيح 0 ( فتح الباري 6 / 77 ) .

    الخامس : عن يحيى بن سعيد الأنصاري .

    أخرجه مالك في الموطأ ( كتاب الاستئذان ، باب ما يتقى من الشؤم ، 2 / 972 ) ح ( 23 ) عنه ، مرسلاً ، بنحوه .

    ومجموع ما ورد من حديث الباب ، وحديث عبد الله بن شداد بن الهاد ، ومرسل يحيى بن سعيد الأنصاري ، إذا ضُمّت قوّى بعضها بعضاً ، وتدل أن للحديث أصلاً ، والله أعلم .

    ومن أهل العلم من يستدل لبعض معنى حديث الباب بما أخرجه البخاري ( كتاب الجهاد ، باب ما يذكر من شؤم الفرس 2 / 320 ) ح ( 2858 ) ، ومسلم ( كتاب السلام ، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ، 4 / 1747 ) ح ( 2225 ) من طريق الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الشؤم في ثلاثة ، في الفرس ، والمرأة ، والدار  .

( 3 )  مفتاح دار السعادة لابن القيم ، باختصار ( 2 / 258 ) ، وانظر : معالم السنن للخطابي ( 5 / 381 ) ، التمهيد لابن عبد البر ( 16 / 211 ) ، القبس شرح الموطأ لابن العربي ( 3 / 1148 ) ، النهاية لابن الأثير ( 2 / 169 ) ، فتح الباري لابن حجر ( 6 / 77 ) .

( 4 ) انظر : عارضة الأحوذي لابن العربي ( 10 / 266 ) .

( 5 ) انظر : عارضة الأحوذي لابن العربي ( 10 / 266 ) ، المفهم للقرطبي ( 5 / 629 ) ، شرح النووي على مسلم ( 14 / 316 ) ، مفتاح دار السعادة لابن القيم ( 2 / 256 ) .

( 6 ) أخرجه أبو داود ( كتاب الطب ، باب في الطيرة ، 4 / 19) ح ( 3922 ) .

( 7 ) نسبه إليه النووي ، وابن القيم  0 ( انظر : معالم السنن للخطابي 5 / 380 ، شرح النووي على مسلم 14 / 319 ، مفتاح دار السعادة 2 / 255  ) ، وعزاه القرطبي ، وابن القيم ، وابن حجر إلى ابن قتيبة ، وكلامه في كتاب التأويل ظاهرٌ في إبطاله ، فالله أعلم 0 ( انظر : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة 71 ، المفهم للقرطبي 5 / 629 ، مفتاح دار السعادة لابن القيم 2 / 256 ، فتح الباري لابن حجر 6 / 76 ) .

( 8 ) أخرجه أحمد ( 7 / 343 ) ح ( 25503 ) من طريق قتادة ، عن أبي حسان ، قال : " دخل رجلان من بني عامر على عائشة ، فأخبراها أن أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الطيرة من الدار والمرأة والفرس  ، فغضبت ، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض ، وقالت : والذي أنزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ، إنما قال : كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك " .

( 9 ) انظر : مفتاح دار السعادة لابن القيم ( 2 / 254 ) ، فتح الباري لابن حجر ( 6 / 76 ) .

( 10 ) انظر : التمهيد لابن عبدالبر ( 16 / 210 ) .

( 11 ) فتح الباري لابن حجر ( 6 / 77 ) .

( 12 ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث ليخبر عن الناس بما كانوا يعتقدونه ، وإنما بعث ليعلم الناس ما يلزمهم أن يعلموه ويعتقدوه ، انظر : عارضة الأحوذي لابن العربي  ( 10 / 264 ) ، والمفهم للقرطبي ( 5 / 631 ) .

( 13 ) انظر : فتح الباري لابن حجر ( 6 / 77 ) .

( 14 ) انظر : المفهم للقرطبي ( 5 / 631 ) ، شرح النووي على مسلم ( 14 / 319 ) .

( 15 ) انظر : عارضة الأحوذي ( 10 / 266 ) ، مفتاح دار السعادة لابن القيم ( 2 / 255 ) ، فتح الباري لابن حجر ( 6 / 77 ) .

( 16 ) انظر : التمهيد لابن عبد البر ( 16 / 207 ) ، مفتاح دار السعادة ( 2 / 256) وقد توسع في هذا المبحث .

( 17 ) انظر : عارضة الأحوذي ( 10 / 266 ) .

( 18 ) فتح الباري لابن حجر ( 6 / 77 ) .



التعليقات ( 0 )