• ×

د. أحمد القاضي

العادة والعبادة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن (العبادة) تزيد على (العادة) مبنىً، ومعنىً ! العبادة قلب وقالب، روح وصورة . والعادة جزء ذلك؛ شكل، وطقس، وهيكل، فحسب . العبادة انفعال، ووجد، وذوق صحيح، والعادة إلف، وتكرار .

والحديث هاهنا، لا عن (العادة) المذمومة التي يتوارثها جيل عن جيل، وقبيل عن قبيل، من الكفر، والسوء، والفحشاء، من جنس من قال الله فيهم : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون. وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) الزخرف: 22-23، وإنما في تحول العبادات الأصلية، إلى عادات شكلية .

لا ريب أن النية هي الفيصل بين العادة والعبادة. والنية نيتان :

1- نية مصحِّحة : بدونها يبطل العمل، ويرد ، وعليها الشق الأول من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري. ولهذا كانت (النية) بهذا المعنى شرطاً في صحة جميع العبادات .

2- نية مقرِّبة : وهي ما يقوم في القلب من معاني التعبد لله تعالى، والمتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم، قلةً وكثرة، وقوةً وضعفاً . وعليها الشق الثاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم : (وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري

والناس أوزاع في هذا المضمار الطويل مابين واقف عند الحد الأدنى، ومنقطع أثناءه، وموغل فيه برفق وتؤده، يتنسم عبير الجنة، ويسلي نفسه بأنس الملاقاة، من المصطفين الأخيار ، والعباد الأبرار .

ويظهر الفرق بين صاحب العبادة، وصاحب العادة في النواحي التالية :

أحدها : صاحب العبادة ملتذ بعبادته، مستشعر لخفتها ، وصاحب العادة ضائق بها، يسعى إلى إلقائها عن عاتقه، والتخفف منها . ولسان حال الأول : ( أرحنا بها) ولسان حال الثاني : ( أرحنا منها) .

الثانية : صاحب العبادة يشتاق إلى أدائها، ومعاودتها، زماناً، ومكاناً، وهيئة، وقلبه معلق بها ، فهو فيها كالسمك في الماء، والطير في الهواء. وصاحب العادة لا يرفع بها رأساً، ولا يرى بانقطاعها بأساً ، فهو فيها كالسمك في الفضاء، وكالطير في القفص.

الثالثة : صاحب العبادة عمله ديمة، وإنما يعتريه نشاط وفتور طبيعيان، فهو كالفرس المربوط في آخيته، مهما استرسل، لا بد له من العود، والمصابرة، والمرابطة، حتى يدركه الأجل . وصاحب العادة موسمي الطاعة؛ ربما تحامل على نفسه مراعاة لزمان، أو مكان، ثم لا يلبث أن ينقطع نفسه، ويفنى زاده، بعد الوهلة الأولى، ودهشة الجديد . واعتبر حالك برمضان؛ كيف كنت فيه، وكيف كنت بعده ؟ فأهل العبادة ودعوه بالدموع، والشوق إلى لقائه من جديد. وأهل العادة تنفسوا الصعداء، وعادوا لسيرتهم الأولى . والموفق من أعانه الله على ذكره، وشكره، وحسن عبادته .



التعليقات ( 0 )