• ×

د. أحمد القاضي

فرحة الصائم، وبهجة العيد

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

ما أجمل هذا الدين ، وما أحسن شريعته ! فهو يترحل بمعتنقيه من حال إلى حال، وينقلهم من عبادة إلى عبادة، فلا تزال نفوسهم في تجدد مستمر، وانبعاث للتعبد بأنواع العبادات .

هاهو رمضان يرحل من ساحتنا مودعاً بدموع المؤمنين، وابتهالاتهم، وتضرعاتهم بالقبول، بعد أن حل ضيفاً عزيزاً، كريماً، في جوانحهم، قبل مساجدهم، ومنازلهم، تاركاً أجمل الذكريات، مبقياً أثمن الدروس والعبر .

وفي الأفق المقابل يتراءى (العيد) ببهجته، وسروره، ليسكب في النفوس الجياشة طعماً آخر، ويصبغ الحياة الإيمانية بلون جديد . ولا تناقض بين الحالين، فكلاهما ينتظمه سلك العبودية ! فكما أن صيام المؤمن، وقيامه عباده، ففطره، وفرحه عبادة أيضاً ، قال صلى الله عليه وسلم : (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ) متفق عليه . وهذا الانسجام بين الدنيا والآخرة، وبين الدين والدنيا، لا يتألق إلا في الإسلام .

الفرح نوعان :

أحدهما : مذموم : وهو فرح الأشر، والبطر، وارتكاب المنكر، الذي دل عليه مثل قوله تعالى: (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) غافر: 75، وقوله : (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) القصص: 76، وقوله : (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد : 23

الثاني : فرح العبادة : وهو الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى : (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) يونس: 58، وهذا اللون قرين الإيمان، وثمرته، وعاجل بشرى المؤمن وحلاوته . وحقيقته امتلاء القلب بالغبطة بنعمة الله، والرضا عنه، والشكر له ؛ بالقلب، واللسان، والجوارح، كما قال الشاعر :

أفادتكم النعماء مني ثلاثة           يدي ولساني والضمير المحجبا

فالقلب يرقص طرباً بالنعمة المسداة، واللسان يلهج بفضل المنعم، والجوارح تنشط في التعرض لمراضيه. وما أجملها من حياة، وما أحسنها من عاقبة .

والمؤمن، في العيد، يعبد الله بالفرح، ويظهر ذلك من خلال المظاهر التالية :

1- التكبير، والاستعلان بالشكر، في المجامع، والمساجد، والبيوت، ليلة العيد، حتى دخول الخطيب، بسبب إكمال العدة، والعون على الطاعة . قال تعالى : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة: 185

2- زكاة الفطر : تعبير معنوي ومادي عن شكر الله، وسد الخلة، وتوثيق الرابطة الاجتماعية قال ابن عباس : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين ) رواه أبو داود، وابن ماجة، وصححه الألباني .

3- صلاة العيد : في احتفال سنوي بديع ، يجمع أهل البلدة الواحدة على صعيد واحد، في أبهى حلة، وأكمل زينة؛ ظاهرة، وباطنة، يشهدون الخير، ويشكرون ربهم، ويسألونه القبول، وتتصافح قلوبهم، قبل أيديهم، فتُسل السخائم، وتطيب النفوس، وتحصل الصلة، والإلفة، وتوثيق العهود .

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، وأعادنا وإياكم لمثله أعواماً عديدة، والأمة الإسلامية ترفل بثوب النصر والتمكين، وبلغنا وإياكم الفرحة الكبرى بشهود يوم المزيد، عند رب حميد مجيد، إخواناً على سرر متقابلين . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .



التعليقات ( 0 )