• ×

د. أحمد القاضي

شعار الصالحين ومدرسة العقيدة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن أخص وصف لأهل الإيمان، تلك العلاقة الحميمة التي تربطهم بربهم ومعبودهم ، وأعظم ما يتجلى به ذلك التعبد هو (الصلاة ) . قال تعالى: ( قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون ) المؤمنون: 1-2

فإذا ما صفَّ المؤمن قدميه في محرابه، وصوب ناظريه إلى موضع سجوده، وأعلن أن (الله أكبر) بإطلاق ! انفتحت له آفاق واسعة، وتجليات بديعة، وأنس، وحلاوة، وتلذذ بالمناجاة. فهو يبث ربه شكواه، ويرجو لقاه، ويستعين به في مسعاه، في أحوال، وأذواق لا يدركها إلا الصالحون الموفقون، نسأل الله أن يلحقنا بهم :

لها أحاديث من ذكراك تشغلها          عن الشراب وتلهيها عن الزاد

وكما جعل الله صيام رمضان مدرسةً للإخلاص، جعل ليله سكناً لأفئدة المؤمنين، ومستراحاً للصالحين، ومدرسةً لتخريج حملة العقيدة الحقة المطمئنة . وكم أجنَّ الليل من قلوب، خافقة، وصدور هادرة، وعيون دامعة، تناجي رباً لا تراه، تخافه، وترجوه، وتحبه، وتشتاق إليه . قال تعالى : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة: 16-17

حدثنا الله عن إخوةٍ لنا، كانوا قبلنا، فأثنى عليهم وأحسن الثناء، فقال : (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) آل عمران: 113، وأمر نبيه بالسير على سننهم، فقال : (وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ) طه: 130، ووقَّت له قيامه، ووصف له الكيفية، فقال : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا . إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ) المزمل: 1-6، ووعده، ورجَّه أعظم الرجاء، فقال : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) الإسراء: 79، فامتثل، بأبي هو وأمي، أمر ربه، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: (أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا). فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ. رواه البخاري. فكان لا يدع قيام الليل، في سفر، ولا حضر، إلا ما ذكر في ليلة مزدلفة، أو أن يشكو وجعاً. فعن عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَاتَهُ الْقِيَامُ مِنْ اللَّيْلِ؛ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ بِنَوْمٍ، أَوْ وَجَعٍ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ النَّهَارِ) رواه أحمد.

وعلى هذا المهيع الرشيد سار أصحابه الكرام، وقد كان القيام مفروضاً عليهم أول الإسلام، لما يُعِدَّهم الله له من الكرامة، ليكون لهم زاداً، وقوةً، لمواجهة تكاليف البناء، والتأسيس، ثم خفف الله عن عباده، ووكلهم إلى إيمانهم ، ورغَّب، وحثَّ، وحض، على هذه المحمدة، فقال مستثيراً الهمم : (أم من هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) الزمر: 9، واكتفى نبيه بالموعظة والتوجيه، فقال لعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ) رواه البخاري

ألا ما أحوجنا اليوم إلى الالتحاق بهذه المدرسة، مدرسة القيام، لنصفي نفوسنا، ونهذب طباعنا، ونوثق عرى إيماننا، ونتذوق لذة المناجاة، التي وصفها المجربون، فقال قائلهم : مساكين أهل الدنيا! خرجوا منها وما ذاقوا أحسن ما فيها ! قيل: وما أحسن ما فيها ؟ قال : لذة مناجاة الله .

ورمضان ظرف زمان، ومحل تسجيل، ودار تأهيل، للقبول في هذه المدرسة الشريفة العريقة ، فوق ما فيه من الغفران : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه . ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)



التعليقات ( 0 )