خواطر شيطانية - العقيدة والحياة

  • ×

المشرف العام

خواطر شيطانية

المشرف العام

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

خواطر  شيطانية (*)

 

    روى البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يأتي أحدكم الشيطان فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله تعالى ولينته)([1])

 

     قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -: "وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) أي عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله تعالى في دفعه ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها".

 

    قال الخطابي: "وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله تعالى منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع. قال وهذا بخلاف ما لو تعرض له أحد من البشر بذلك فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة. نعوذ بالله تعالى من ذلك.

     على أن قول الشيطان من خلق ربك كلام متهافت ينقض آخره أوله لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقا. ثم لو كان السؤال متجها لاستلزم التسلسل وهو محال وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات".

 

     وقال المارزي: "الخواطر على قسمين فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها وعلى هذا ينزل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع إلا بالنظر والاستدلال.

    وقال الطيبي: "إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج لأن العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به".

 

    وقال ابن التين - رحمه الله -: لو جاز لمخترع الشيئ أن يكون له مخترع لتسلسل فلا بد من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدمه شيء ولا يصح عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله تبارك وتعالى([2])

    وتبين بهذا أن الوساوس الشيطانية التي يبغضها القلب ويدفعها ولا تستقر فيه؛ إنما تندفع بالإعراض عنها والاستعاذة بالله تعالى من شرها. وهذه الوساوس يطلق عليها اسم (الوسوسة) لأنها ليست ناشئة عن شبهة أو جهل، بل مجرد وسوسة فقط، والذي يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لما شكا إليه بعض أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ما يجدونه في أنفسهم مما يكرهونه (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) ([3]).

 

    وتقدم قول المارزي - رحمه الله تعالى - في ذلك وأن هذه الخواطر التي لا تستقر ولا تثبت في القلب ولا تجلبها شبهة يطلق عليها اسم الوسوسة. وسيأتي أيضا بعض أقوال أهل العلم في طرق التخلص من هذه الوسوسة.

    وقد يطلق على هذا النوع من الوساوس أيضا اسم (الشك) ولكن لا يراد به الشك المصطلح عليه وهو التوقف بين الأمرين وإنما يراد به الخواطر التي لا تثبت في القلب ولا تستقر فيه ولا تزلزل الإيمان الثابت فيه، بل يكرهها القلب ويبغضها ويدفعها كما تقدم، والذي يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)([4]).

 

    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: "واختلف السلف في المراد بالشك هنا فحمله بعضهم على ظاهره وقال كان ذلك قبل النبوة وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو وعبد بن حميد وبن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن بن عباس قال أرجى آية في القرآن هذه الآية (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)" الآية([5]).

    قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال (بَلَى).

     قال ابن عطية: ومحمل قول بن عباس عندي أنها أرجى آية لما فيها من الإدلال على الله وسؤال الأحياء في الدنيا أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث.

 

    قال ومحمل قول عطاء: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس أي من طلب المعاينة، قال: وأما الحديث فمبني على نفي الشك والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت وأما الشك المصطلح عليه وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر فهو منفي عن الخليل عليه السلام قطعا لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه فكيف بمن بلغ رتبة النبوة، وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول فهو سؤال عن هيئة الإحياء لا عن نفس الإحياء فإنه ثابت مقرر.

 

    قال عياض: لم يشك إبراهيم بان الله يحيى الموتى، وإنما أراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين([6]).

    ومن الأدلة على ذلك أيضا ما رواه أبو داود في سننه في باب رد الوسوسة ([7])، عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شىء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به! قال: فقال لي: أشىء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله عزوجل (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) ([8]) قال: فإذا وجدت في نفسك شيئا فقل: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ([9])، قلت: والمراد بهذا الشك الوارد في هذا الأثر هو الخواطر التي لا تستقر في القلب ويكرهها، وليس الشك المصطلح عليه وهو التوقف بين الأمرين...

 

    وأما الشك المصطلح عليه... فهذا هو الشك المحظور، فإن وقع هذا الشك في أمر من أمور الشريعة الإسلامية سواء كان في الاعتقاد أو في غيره مما يكفَّر به من أنكره أو شك فيه بعد بلوغه الدليل، فإنه يكفر بذلك كفرا أكبر مخرجا عن دائرة الإسلام والعياذ بالله تعالى، فإن مات على ذلك بدون توبة فهو من أهل النار الخالدين فيها والعياذ بالله تعالى...

 

المصدر

الآيات الدالة على الله تعالى

وفق نهج القرآن ومذهب السلف ص 110-114

لأبي محمد إبراهيم بن محسن آل عيسى

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)    العنوان من وضع اللجنة العلمية

([1])  رواه البخاري في كتاب بدء الخلق / باب صفة إبليس وجنوده، رقم 3276

([2]) فتح الباري 6/341، 13/273

([3]) رواه أبو داود في كتاب الأدب / باب رد الوسوسة (118) وقال الألباني رحمه الله تعالى: صحيح, انظر صحيح سنن أبي داود للألباني 3/962 رقم 4264.

([4]) رواه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء / باب قول الله عز وجل (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) الآية، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) رقم الحديث 3372

([5])  البقرة / 260

([6]) فتح الباري 6/411 – 413

([7]) رواه أبو داود في كتاب الأدب / باب رد الوسوسة وقال الألباني رحمه الله تعالى: إسناده حسن، انظر صحيح سنن أبي داود 3/962 رقم 4262

([8])  يونس/94

([9]) الحديد/3



التعليقات ( 0 )