أ.د. أحمد القاضي

أسرار الصيام

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن الصيام في صورته الظاهرة إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . وبذلك تبرأ الذمة، ويسقط الطلب . إلا إن هذه الشعيرة المباركة تنطوي على أسرار خفية، ونفحات ندية، يكتشفها الصائمون في أعطافها، ويذوقون حلاوتها:

1- فالصوم مدرسة الإخلاص : فما من عبادة كالصوم يتحقق فيها الإخلاص للمعبود. فلو شاء الصائم لأوصد الأبواب، وأرخى الستور، وانقض على الطعام والشراب. لكنه لا يفعل ! لم ؟ لأنه أراد الله والدار الآخرة . وهذا معنى ما ورد في الحديث القدسي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) متفق عليه . ولمَّا كان كذلك، أدركته بركة الإخلاص، فضوعف ثوابه، من غير عد. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ) رواه مسلم .

وهذا العرض المغري، يربي المؤمن على تحقيق الإخلاص في جميع العبادات، ويحمله على تنقيتها من الشوائب، وحظوظ النفس، لينال الأجر المضاعف، كما دل على ذلك قوله تعالى : ( لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء: 114

2- والصوم مدرسة الأخلاق : إن تلبس المؤمن بهذه العبادة الجليلة يخلع عليه مهابةً، ووقاراً، ويكسوه سمتاً، ودلاً حسناً، لما يقع له من كسر لحدة النفس الأمارة، ومطامنة لفوعة الانتصار للذات .قال صلى الله عليه وسلم : ( الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ ) متفق عليه .

وهذا المسلك في التعامل مع السفهاء يعود المؤمن على الحلم، والصبر، والصفح، ونحوها من الأخلاق الكريمة . وفي هذا الجواب المختصر: (إني صائم) فوائد عديدة :

أولاً : أنه يحفظ كرامة الصائم ! فكأنه يقول للجاني : إنه ما منعني من الانتصاف منك ضعف ولا مذلة، وإنما احترام هذه الشعيرة التي زينني الله بها .

ثانياً : أنه يخجل الجاني؛ أن تطاول على عبدٍ مطيع لله، لائذٍ بجنابه، وربما حمله على الاعتذار، أو التوبة .

ثالثاً : أنه يحفظ صحة الصائم ! فمن المعلوم أن المشاتمة، والمقاتلة، تؤدي إلى الانفعال، وبذل الجهد الذي يضعف الصائم، وربما يُضر به . فكان جوابه نوع حصانة من تداعيات الخصومة وما قد تسببه له مع ضعف البدن .

3- والصوم مدرسة في البذل : يكتشف الصائم، خلافاً للمتوقع، أن الصوم يفجر الطاقات الكامنة، ويحفز القلب والبدن على البذل والعطاء، بصورة تفوق حال الفطر! فيجد في نفسه خفةً للعمل الصالح، وفي يده سخاوةً للصدقة، وفي وقته بركةً وإنتاجاً . فربما صلى من الركعات مالا يركعه في عام ! وربما ختم من القرآن مالا يختمه في عام ! وربما بذل من الصدقات والقربات مالا ينفقه في عام ! كل ذلك بطيب نفس، وانشراح صدر، مع أنه شهرً بين هلالين كسائر الشهور .

اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين .



التعليقات ( 0 )