• ×

المشرف العام

كرمات الأولياء

المشرف العام

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 

 

قال البيهقي - رحمه الله تعالى – في كتابه [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للحافظ البيهقي  (1/420)] :

باب القول في كرامات الأولياء

قال الله - عز وجل - في قصة مريم عليها السلام (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ([1])

وقال في قصة سليمان - عليه السلام -  (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)([2]) وآصف لم يكن نبيا وإنما لا يجوز ظهور الكرامات على الكاذبين ، فأما على الصادقين فإنه يجوز ويكون ذلك دليلا على صدق من صدقه من أنبياء الله - عز وجل - ، وقد حكى نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الكرامات التي ظهرت على جريج الراهب والصبي الذي ترك السحر وتبع الراهب والنفر الذين آووا على غار من بني إسرائيل ، فانحطت عليهم الصخرة ، وغيرهم ما يدل على جواز ذلك ، وقد ظهر على أصحابه في زمانه وبعد وفاته ، ثم على الصالحين من أمته ما يوجب اعتقاد جوازه وبالله التوفيق.

285 - وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، أنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني ، ثنا يونس بن حبيب ، ثنا أبو داود ، ثنا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن عمرو بن أسيد بن حارثة ، حليف بني زهرة وكان من أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال :

بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة رهط ([3]) عينا ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ، وهو جد عاصم بن عمر ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فنفروا لهم بمائة رجل رام فاتبعوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر ، فقالوا : هذا تمر يثرب ، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد ،

فقالوا : انزلوا ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا ،

فقال عاصم : أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة كافر اليوم اللهم بلغ عنا نبيك السلام ،

فقاتلوهم ، فقتل منهم سبعة ، ونزل ثلاثة على العهد والميثاق ،

فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم وكتفوهم ، فلما رأى ذلك منهم أحد الثلاثة قال : هذا والله أول الغدر ، فعالجوه فقتلوه

وانطلقوا بخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة إلى مكة ، فباعوهما ، وذلك بعد وقعة بدر فاشترى بنو الحارث خبيبا - وقد كان قتل الحارث يوم بدر –

قالت ابنة الحارث : فكان خبيب أسيرا عندنا ، فوالله إن رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد رأيته يأكل قطفا من عنب وما بمكة يومئذ من ثمره ، وإن هو إلا رزق رزقه الله خبيبا

قالت : واستعار مني موسى يستحد به للقتل

قالت : فأعرته إياه ، ودرج ابن لي وأنا غافلة ، فرأيته يجلسه على صدره

قالت : ففزعت فزعة عرفها خبيب

قالت : ففطن لي

فقال : أتحسبين أني قاتله ما كنت لأفعله ،

قالت : فلما أجمعوا على قتله

قال لهم : دعوني أصلي ركعتين ، فصلى ركعتين

وقال : لولا أن تحسبوا أن بي جزعا لزدت ،

قالت : وكان خبيب أول من سن الصلاة لمن قتل صبرا ([4]) ،

ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا :

فلست أبالي حين أقتل مسـلما     على أي حال كان في الله مصرعي

وذلك في جنب  الإله  وإن يشأ     يبارك على أوصال  شلو ([5]) ممزع

قال : وبعث المشركون إلى عاصم بن ثابت ليؤتوا من لحمه بشيء ، وكان قتل رجلا من عظمائهم ، فبعث الله مثل الظلة من الدَّبْر([6])، فحمته من رسلهم، فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا

 

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا إسماعيل بن محمد بن الفضل البيهقي ، ثنا جدي ثنا أبو ثابت ، حدثني إبراهيم بن سعد ، فذكره بإسناده ومعناه ، وذكر قول المرأة : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، والله لقد وجدته يأكل قطفا من عنب ، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة ، وقال في الشعر : وذلك في ذات الإله ، وزاد:

واستجاب الله لعاصم يوم أصيب فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم . وذكر في عاصم ما بعث الله عليه من الدبر حتى حمته.

 

وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في المغازي ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وزاد :

فلما حالت بينهم وبينه قالوا : دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه ، فبعث الله الوادي ، فاحتمل عاصما ، فذهب به .

قال : وقد كان عاصم أعطى الله عهدا لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته ، قال ابن إسحاق : فكان عمر بن الخطاب يقول : يحفظ الله المؤمن ، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منهم في حياته .

 

وروينا عن بريدة بن سفيان:

استجابة الله دعاء خبيب على الذين قتلوه ، فلم يحل الحول ومنهم أحد غير رجل لبد بالأرض حين رآه يدعو ،

وفي هذا الحديث الصحيح كرامات ظهرت على من سمي فيه

 

286 - أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا أحمد بن منصور الرمادي ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك:

أن أسيد بن حضير الأنصاري ، ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة ،

ثم خرجا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقلبان وبيد كل واحد منهما عصية ، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه ، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله .

 

ورواه حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال :

كان عباد بن بشر ، وأسيد بن حضير ورواه قتادة ، عن أنس ، فلم يسم الرجلين قال : ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما .

 

وقد روينا عن حمزة بن عمرو الأسلمي وأبي عبس بن جبر:

أنهما أكرما بقريب من ذلك فأضاءت أصابع حمزة ، ونور في عصا أبي عيسى

 

287 - أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا أحمد بن منصور ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن قتادة ، قال :

 كان مطرف بن عبد الله بن الشخير وصاحب له سريا في ليلة مظلمة ، فإذا طرف سوط أحدهما عنده ضوء ،

فقال لصاحبه : أما إنا لو حدثنا الناس بهذا كذبونا ،

قال مطرف : المكذب أكذب . يقول : المكذب بنعمة الله أكذب ،

ومطرف بن عبد الله كان من كبار التابعين ، وإنما أوردته عقيب حديث الصحابة لكونه شبيها بما أكرموا به .

 

وقد روينا نزول الملائكة للقرآن عند قراءة أسيد بن حضير ؛ وذلك:

أنه رأى مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ،

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « تلك الملائكة أتت لصوتك » .

 

وروينا تسليم الملائكة على عمران بن حصين ،

 

وروينا عن جماعة من الصحابة أن كل واحد رأى جبريل - عليه السلام - في صورة دحية الكلبي

 

288 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا أبو بكر بن إسحاق بن أيوب الفقيه ، أنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ، ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر:

أن أصحاب الصفة ، كانوا ناسا فقراء وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مرة: « من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس » أو كما قال ،

 

وأن أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشرة ، وأبو بكر بثلاثة وهو أنا وأبو بكر وأمي ولا أدري

قال : وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي ، وأن أبا بكر تعشى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع ، فلبث حتى تعشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله ،

فقالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك ، أو قالت : عن ضيفك ؟

قال: أوما عشيتهم ؟

قالت : أبوا حتى تجيء وقد عرضوا عليهم ، فغلبوهم ،

قال : فذهبت أنا واختبأت ،

وقال : يا غنثر([7]) ، وسب ،

وقال : كلوا ، وذكر كلمة ،

وقال : والله لا طعمته أبدا

قال : وايم الله ما كنا نأخذ لقمة إلا وربا من أسفلها أكثر منها ،

قال : وشبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك ،

قال : فنظر إليها أبو بكر ، فإذا هي كما هي أو أكثر ،

قال لامرأته : يا أخت بني فراس ما هذا ؟

قالت : لا وقرة ([8]) عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات ، فأكل منها أبو بكر ،

وقال أبو بكر : إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه - ثم حملها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم –

قال : وكان بيننا وبين قوم عهد ، فمضى الأجل ، فعرفنا اثني عشر رجلا مع كل رجل أناس ، الله أعلم كم مع كل رجل

قال : فأكلوا منها أجمعون .

 

قال الشيخ - رضي الله عنه - : وقد روينا كرامات ظهرت على عدة من الأولياء في حياة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وله شواهد كثيرة ذكرناها في كتاب دلائل النبوة وغيره ،

 

وقد روينا في فضائل الصحابة كرامات ظهرت على بعضهم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعادتها في هذا الكتاب مما يطول شرحه ؛ فاقتصرنا منها على بعضها وفيه كفاية.

 

289 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا حمزة بن العباس العقبي ، ثنا عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي ، حدثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن محمد بن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر:

أن عمر بن الخطاب ، بعث جيشا ، وأمر عليهم رجلا يدعى سارية

قال : فبينا عمر يخطب قال : فجعل يصيح وهو على المنبر يا سارية : الجبل ، يا سارية الجبل ،

قال : فقدم رسول الجيش ، فسأله ،

فقال : يا أمير المؤمنين ، لقينا عدونا فهزمونا وإن الصائح ليصيح ، يا سارية : الجبل ، يا سارية : الجبل ، فشددنا ظهورنا بالجبل ، فهزمهم الله ،

فقيل لعمر : إنك كنت تصيح بذلك .

 

قال ابن عجلان : وحدثني إياس بن معاوية بن قرة بذلك .

 

وقد روينا من أوجه ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال :

 ما كنا ننكر ونحن متوافرون أن السكينة تنطق على لسان عمر ،

 

وعن عبد الله بن مسعود : ما رأيت عمر قط إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده ،

 

وعن عبد الله بن عمر قال : كان عمر يقول القول فننتظر متى يقع.

 

قال الشيخ : وكيف لا يكون ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه كان في الأمم محدثون ، فإن يكن في هذه الأمة فهو عمر بن الخطاب ،

وهذا الحديث أصل في جواز كرامات الأولياء ،

 

وفي قراءة أبي بن كعب ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) ،

وقرأها ابن عباس كذلك في بعض الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل : كيف يحدث ؟ قال : تتكلم الملائكة على لسانه ،

وذلك يوافق ما روينا عن علي وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -

 

290 - وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، أنا عبد الله بن جعفر ، قال : ثنا يعقوب بن سفيان ، ثنا محمد بن عزيز الأيلي ، عن سلامة بن روح ، عن عقيل ، حدثني ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال :

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « كم من ضعيف متضعف ذي طمرين([9]) لو أقسم على الله لأبره ، منهم البراء بن مالك »

وإن البراء لقي زحفا من المشركين ،

فقالوا له : يا براء ، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « لو أقسمت على الله لأبرك » ، ، فأقسم على ربك ،

قال : أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ، فمنحوا أكتافهم ، ثم التقوا على قنطرة السوس ، فأوجعوا في المسلمين ،

فقالوا : أقسم يا براء على ربك .

قال : أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ورزقتني الشهادة فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا

 

291 - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، أنا أبو عبد الله بن يعقوب ، ثنا محمد بن عبد الوهاب ، أنا جعفر بن عون ، أنا أسامة بن زيد ، عن محمد بن عمرو ، عن محمد بن المنكدر ، عن سفينة ، مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :

 ركبت سفينة في البحر فانكسرت بي ، فركبت لوحا منها فأخرجني إلى أجمة فيها أسد إذ أقبل الأسد ، فلما رأيته

قلت : يا أبا الحارث ، أنا سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،

فأقبل نحوي حتى ضربني بمنكبه ، ثم مشى معي حتى أقامني على الطريق ،

قال : ثم همهم وضربني بذنبه ، فرأيت أنه يودعني .

 قال الشيخ : محمد بن عمرو هذا هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان

ورواه أيضا سعيد بن عبد الرحمن الجحشي ، عن ابن المنكدر

انتهى

 
---------------------------------------

([1])سورة : آل عمران آية رقم : 37

([2])سورة : النمل آية رقم : 40

([3])الرهط : الجماعة من الرجال دون العشرة

([4])الصبر : أن يمسك بحي ثم يُرمى بشيء حتى يموت وأصل الصبر الحبس

([5])الشلو : العضو والقطعة من اللحم

([6])الدَّبْر: جماعة النحل والزنابير

([7])غُنْثَر : الثَّقيل الوَخِم. وقيل الجاهل اللئيم وتقال للتوبيخ

([8]) قرة العين : هدوء العين وسعادتها ويعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان

([9]) الطمر : الثوب الخلق الرث القديم.



التعليقات ( 0 )