• ×

المشرف العام

أبو زُرْعَة الرازي

المشرف العام

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أبو زُرْعَة الرازي([1] (264 هـ

من كتاب [موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية] لـ د. محمد بن عبدالرحمن المغراوي

 
 

الإمام سيد الحفاظ أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين، عبيدالله بن عبدالكريم بن يزيد بن فروخ مولى عياش بن مطرف القرشي، أبو زرعة الرازي. جالس الإمام أحمد مدة. وسمع أبا نعيم وقبيصة وخلاد بن يحيى ومسلم بن إبراهيم والقعنبـي، وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر.

وكان من أفراد الدهر حفظا وذكاء ودينا وإخلاصا وعلما وعملا.

حدث عنه مسلم وابن خالته أبو حاتم، والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن أبي حاتم وآخرون.

قال البخاري: سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: نزل أبو زرعة عندنا فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ.

قال صالح بن محمد: سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن ابن أبي شيبة مائة ألف حديث، وعن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف، قلت: تقدر أن تملي علي ألف حديث من حفظك؟ قال: لا ولكني إذا ألقي علي عرفت.

قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة.

قال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا بذكر أحد في الحفظ، إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبا زرعة الرازي، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ والتفسير، كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف حديث.

قال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي فليس بحديث.

قال يونس بن عبدالأعلى: ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة، هو وأبو حاتم إماما خراسان.

ومناقبه وسيرته - رحمه الله - أكبر من أن تذكر في سطور. مات بالري يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين.

 

     موقفه من المبتدعة والصوفية:

-قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا زرعة -وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات؛ عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع.[2]

 

      التعليق:

قال الذهبي: مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبي طالب؟ وأين مثل القوت؟ كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، وحقائق التفسير للسلمي؟ لطار لبه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات؟ كيف لو رأى الغنية للشيخ عبدالقادر؟ كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية؟ بلى لما كان الحارث لسان القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه؛ ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي، وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب الفصوص، وابن سفيان. نسأل الله العفو والمسامحة آمين.[3]

 

قلت: في جواب الإمام أبي زرعة تكميم لأفواه الخراصين الذين يولدون مثل هذه الأسئلة السمجة التي تنم عن جهل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وجهل بما خصهما الله به من الهداية. قال تعالى: (أَفَمَنْ  شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر:23] ، وقوله تعالى: (إِنَّمَا  الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]، وقوله تعالى: (الَّذِينَ  آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].

 

- عن عبدالرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار -حجازا وعراقا وشاما ويمنا- فكان من مذهبهم:

الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته.

والقدر خيره وشره من الله - عز وجل -.

وخير هذه الأمة بعد نبيها - عليه الصلاة والسلام - أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأن العشرة الذين سماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله الحق. والترحم على جميع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والكف عما شجر بينهم. وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - بلا كيف، أحاط بكل شيء علما (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [4] 

 وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة؛ يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء.

والجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدا، والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته، إلا من رحم الله - عز وجل -.

والصراط حق والميزان حق له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق،

والحوض المكرم به نبينا حق،

والشفاعة حق،

والبعث من بعد الموت حق.

وأهل الكبائر في مشيئة الله - عز وجل -، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل أسرارهم إلى الله - عز وجل -، ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان،

ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله - عز وجل - أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.

وأن الجهاد ماض مذ بعث الله - عز وجل - نبيه - عليه الصلاة والسلام - إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء. والحج كذلك ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين، والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم...

والمرجئة المبتدعة ضلال، والقدرية المبتدعة ضلال. فمن أنكر منهم أن الله - عز وجل - لا يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر.

وأن الجهمية كفار، وأن الرافضة رفضوا الإسلام والخوارج مراق.

ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر، ومن شك في كلام الله - عز وجل - فوقف شاكا فيه يقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي. ومن وقف في القرآن جاهلا علم وبدع ولم يكفر. ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي...

 

- قال أبو محمد: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع يغلظان في ذلك أشد التغليظ وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار. وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبدا.[5]

 

          موقفه من الرافضة:

جاء في الكفاية: عن أحمد بن محمد بن سليمان التستري قال: سمعت أبا زرعة يقول: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة.[6]

- وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما.[7]

 

          موقفه من الجهمية:

- جاء في أصول الاعتقاد: قال عبدالرحمن: سئل أبو زرعة عن أفعال العباد فقال: مخلوقة. فقيل له: لفظنا بالقرآن من أفعالنا؟ قال: لا يقال هذا.[8]

-قال شيخ الإسلام: وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5))[9] فقال: تفسيره كما يقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله.[10]

- عن أبي زرعة، قال: إن الذي عندنا أن القوم لم يزالوا يعبدون خالقا كاملا لصفاته ومن زعم أن الله كان ولا علم ثم خلق علما فعلم بخلقه، أو لم يكن متكلما فخلق كلاما ثم تكلم به، أو لم يكن سميعا بصيرا ثم خلق سمعا وبصرا، فقد نسبه إلى النقص، وقائل هذا كافر. لم يزل الله كاملا بصفاته لم يحدث فيه صفة، ولا تزول عنه صفة قبل أن يخلق الخلق وبعد ما خلق الخلق كاملا بصفاته، فمن وجه أن الرب تبارك وتعالى يتكلم كيف يتكلم بشفتين ولسان ولهوات، فهذه السماوات والأرض قال لهما: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)) أ[11]فهاهنا شفتان ولسان ولهوات.[12]

- وجاء في الميزان: قال أبو زرعة الرازي: بشر المريسي زنديق.[13]

 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تهذيب الكمال (19/89-104) وتذكرة الحفاظ (2/557-559) والأنساب (3/24) وشذرات الذهب   (2/148) وتاريخ بغداد (10/326-337) والسير (13/65-85) والجرح والتعديل (1/328-349) وتهذيب التهذيب (7/30-34).

[2] تاريخ بغداد (8/215) والسير (12/112).

[3] ميزان الاعتدال (1/431).

[4] الشورى الآية (11).

[5] أصول الاعتقاد (1/197-201/321و322) واجتماع الجيوش الإسلامية (213) ومجموع الفتاوى (3/222-223) مختصرا. والأثر الأخير أخرجه الهروي في ذم الكلام (269).

[6] الكفاية (49) وتاريخ دمشق (38/32-33).

[7] البداية والنهاية (8/133) وفتح الباري (13/86).

[8] أصول الاعتقاد (2/390/597).

[9] طه الآية (5).

[10] مجموع الفتاوى (5/50).

[11] فصلت الآية (11).

[12] الفتاوى الكبرى (5/63-64).

[13] الميزان (1/323).



التعليقات ( 0 )