• ×

د. أحمد القاضي

حكمة الصيام

د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
     فإن الله عز وجل، حكيم في شرعه، كما أنه حكيم في قدره؛ فلا يؤمر إلا بما للعباد فيه مصلحة محضة، أو مصلحة راجحة، ولا ينهى إلا عما على العباد فيه مفسدة محضة، أو مفسدة راجحة . وبسط ذلك في كتب الأصول، ومقاصد الشريعة .
     والحكمة الإلهية تارةً تكون منصوصة، وتارةً تكون مستنبطة ، وتارةً تكون تعبديةً غير مدركة . والاستنباط يكون حيناً جلياً، ويكون حيناً خفياً .
     والصيام عموماً، وصوم رمضان خصوصاً ، قد تضمن العديد من الحكم الإلهية المتنوعة؛ منها المنصوص، ومنها المستنبط، ومنها الخفي. ومن أبرز هذه الحكم المنصوصة :
    
     أولاً : تحقيق تقوى الله تعالى : كما نص ، سبحانه على ذلك بقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة: 183 فللكف عن الطعام والشراب والنكاح وسائر المفطرات أثر في تحقيق التقوى من وجهين: أحدهما : وجداني : فإن شعور المتعبد بالإمساك عن المحبوبات تعبداً لله تعالى، يذكره بحقيقة عبوديته، وانقياده، وخضوعه، لمعبوده، فيزيد إيمانه وتقواه .
     الثاني : عضوي : وذلك أن قمع البدن عن الشره، والنهم، في المآكل، والمشارب، والنكاح، يضعف فوعة النفس الأمَّارة، ويطامنها، ويذهب عدوانيتها، فتخبت وتستكين. وتقوى الله تعالى حالة قلبية، قبل أن تكون سلوكاً ظاهرياً ، فإذا استقرت فيه، انبعثت الجوارح تلقائياً بالاستجابة، طواعية، وتلذذاً بالعبادة . وهذا هو :
     ثانياً : الاستكثار من العمل الصالح : يخيل للمرء، لأول وهلة، أن الصوم يقعد به عن العمل، وأنه يورث الخمول والكسل ! والواقع أن الصوم عموماً، وصوم رمضان خصوصاً، ينشئ في النفس دافعيةً ورغبةً في العمل الصالح . فلا غرو أن تجتمع في رمضان بالإضافة إلى الصيام، أمهات الأعمال الصالحة :
     1- الصلاة : ففي الحديث : ( مَنْ قَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه النسائي 7 / 384 ، وأصله في الصحيحين .
     2- الصدقة الواجبة والمستحبة : كان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يقول على المنبر : ( هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ ) رواه مالك : الموطأ: 2 / 270، ولم يزل المسلمون يحرصون على إخراج زكواتهم في رمضان، تحرياً لشرف الزمان . وأما الصدقة المستحبة ، فعن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ . وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ) متفق عليه .
     3- الحج الأصغر : وهو العمرة . فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: (مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ ؟) قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: ( فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي ) رواه البخاري - 6 / 410
     4- قراءة القرآن: وهو أعظم الذكر ، ولا يخفى اختصاص رمضان بالقرآن، قال تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) البقرة : 185. وقد كان السلف يأتون بالعجب العجاب من كثرة الختمات في رمضان، حتى إنهم يمسكون عن رواية الحديث، وتعليم العلم، ويقبلون على القرآن .
     ثالثاً : الأدب، والسمت الحسن : إن مما ينشره الصوم في نفس الصائم تلك الجلالة، والمهابة،والحشمة، والأدب الرفيع، الذي يتنزه به عن رديء الأخلاق،ومهاترات السُّوَقة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ ) متفق عليه .



التعليقات ( 0 )