• ×

د. أحمد القاضي

مهوى الأفئدة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فقد أظلَّ الأمة الإسلامية شهر عظيم (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) . ورمضان موسم سنوي للتقرب إلى الله تعالى بأنواع العمل الصالح؛ من العبادات الخاصة، والعامة، أو (القاصرة) و (المتعدية ) .
     والملفت لنظر هو ذلك الشعور المتجدد بالحنين والشوق إلى شهر رمضان، رغم توالي الشهور والأعوام ! فلا يكاد يستدير الزمان، ويحول الحول، إلا ويشعر أهل الإيمان بلهفة وتطلع إلى حلول رمضان، كمن يستقبل حبيباً طال انتظاره، ويحتفون به احتفاء الكريم بالضيف العزيز !
     وما ذاك إلا أثر من آثار ( العقيدة ) التي توجه المشاعر، وتجعل ( الهوى ) إيمانياً، كما في الحديث المروي : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) . فحين تستقر العقيدة في سويداء القلب يتم وزن (الحب) و(البغض) و(الفرح) و(الحزن) وفق معيار دقيق، ينضبط بتعاليمها، وتقويمها؛ للأمكنة، والأزمنة، والأعمال، والأشخاص، بل والجمادات !
     أهل العقيدة تهفو أفئدتهم إلى البيت الحرام قبل أجسادهم ، قال تعالى : (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) إبراهيم : 37
     وأهل العقيدة يستبشرون بالأزمنة الفاضلة، ويهنئ بعضهم بعضاً بحلولها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أتاكم رمضان؛ شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه. تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين. لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ) . رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني .
     وأهل العقيدة يبذلون الحب، والبغض، والولاء، والبراء، على أساس العقيدة، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) المائدة: 54، وقال : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) الفتح: 29، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ) متفق عليه .
     وأهل العقيدة يأنسون بما حولهم من مخلوقات الله، ويحبونها، لعبوديتها لله تعالى عبوديةً كونية ؛ فعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحد جبل يحبنا ونحبه " . رواه البخاري .
     فلا غرو أن يجد المؤمن في قلبه أنساً بهذا الشهر الكريم، وفي نفسه استرواحاً لأيامه الصِّباح، ولياليه الملاح، وفي بدنه نشاطاً على العمل الصالح . وكأنما رمضان ( واحة في هجير العام ) يحط فيها المسافر ، ليضع أثقاله، ويغسل أوزاره، ويجدد العهد مع ربه . جعلنا الله ممن يصوم نهاره إيماناً واحتساباً، ومن يقوم ليله إيماناً واحتساباً .


التعليقات ( 0 )