• ×

المشرف العام

الواحد، الأحد (1)

المشرف العام

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وأصحابه. أما بعد:
فإن من أسماء الله الحسنى: (الواحد، الأحد). وقد ورد ذكرهما في الكتاب والسنة.
فأما اسمه: (الواحد) فقد ورد في أكثر من عشرين موضعًا في القرآن ومن ذلك قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)} [سورة الرعد 13/16] . وقوله سبحانه: {وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)} [سورة النحل 16/51] ، وقوله تعالى: {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} [سورة غافر 40/16]
وأما اسـمه: (الأحد) فقـد ورد مرة واحـدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} [سورة الإخلاص 112/1] . وكذلك جاء في السنة في قوله صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الذي دعا بهذا الدعاء: «اللَّهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحـد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كـفوًا أحد»، فقال الرسـول صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده لقد سأل باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)[1] .
المعنى اللغوي:
(الواحد والأحد) وإن كان اشتقاقهما واحدًا وبينهما معان مشتركة إلا أن بعض العلماء قد فرق بينهما؛ وذلك من الوجوه التالية:
الأول: أن الواحد اسم لمفتتح العدد، فيقال: واحد واثنان وثلاثة.
أما (أحد) فينقطع معه العدد فلا يقال: أحد اثنان ثلاثة.
الثاني: أن (أحدًا) في النفي أعم من (الواحد). يقال: ما في الدار واحد، ويجوز أن يكون هناك اثنان أو ثلاثة أو أكثر. أما لو قال: ما في الدار أحد فهو نفى وجود الجنس بالمرة، فليس فيها أحد ولا اثنان ولا ثلاثة ولا أكثر ولا أقل.
الثالث: لفظ (الواحد) يمكن جعله وصفًا لأي شيء أريد، فيصح القول: رجل واحد، وثوب واحد، ولا يصح وصف شيء في جانب الإثبات بأحد إلا الله الأحد: [قل هو الله أحد] فلا يقال: رجل أحد ولا ثوب أحد[2] .
معنى الواحد الأحد في حق الله تعالى:
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «(الأحد): المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية»[3] .
ويقول أيضًا: «في (الأحد) نفي لكل شريك لذي الجلال»[4] .
و(الواحد والأحد) هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر المتفرد في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وربوبيته، وإلـهيته، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد».
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: « (الواحد الأحد) هو الذي توحد بجميع الكمالات، وتفرد بكل كمال، وجلال وجمال، وحمد وحكمة، ورحمة وغيرها من صفات الكمال؛ فليس له فيها مثيل ولانظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه، فهو الأحد في حياته وقيوميته وعلمه وقدرته وعظمته وجلاله وجماله وحمده وحكمته وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته من كل صفة من هذه الصفات، فيجب على العبيد توحيده عقلاً، وقولاً، وعملاً بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة»[5] .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء: (الرب) - تبارك وتعالى - فلا يجوز التسمية بالأحد والصمد، ولا بالخالق، ولا بالرازق، وكذلك سائر الأسماء المختصة (بالرب) تبارك وتعالى»[6] .
ما معنى وحدانية الله عز وجل؟
إنها تعني التوحيد بأنواعه الثلاثة:
1- توحيده سبحانه في ذاته وصفاته.
2- توحيده سبحانه في ربوبيته.
3- توحيده سبحانه في ألوهيته.
وفي ذلك يقول الدكتور الأشقر حفظه الله تعالى: وتتجلى وحدانية الله تعالى فيما يأتي:
أولاً: في ذاته وصفاته:
فالله لا مثيل له ولا نظير له، لا في ذاته ولا في صفاته؛ ولذلك فإنه - تعالى وتقدس - لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، كما قال عزَّ من قائل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)} [سورة الإخلاص 112/1-4] .
وهذه السورة الكريمة العظيمة عرفت العباد بربهم، وقد أنزلها رب العباد، جوابًا لأهل الشرك والعناد، الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم طالبين منه أن ينسب لهم ربّه.
وقال ابن جرير الطبري في تفسير هذه السورة: «قل يا محمد لهؤلاء السائلين عن نسب ربك، وصفته، ومَنْ خلقه: (الرب) الذي سألتموني عنه، هو الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، ولا تصلح لشيء سواه»[7] .
وقال القرطبي: «نزلت هذه الآية جوابًا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك، أمِن ذهب هو؟ أم من نحاس أم من صُفْر؟ فقال الله ردّا عليهم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }[8] .
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: «قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد 47/انسب لنا ربك فأنزل الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }[9] ... والذين ينسبون إلى الله الولد جاؤوا بجريمة نكراء، كادت السماوات لعظمها أن تتفطر، والأرض أن تتشقق، والجـبال أن تخرَّ هدّا، إن الله سبحانه واحد أحد لا يليق به أن يتخذ ولدًا، فالكل تحت ملكه وقهـره، وجـميعهم يأتون الرحمن يوم القيامة خاضعين، لا يتخلف منهم أحد، فقد أحصاهم وعدهم عدًا، وكلهم آتيه يوم القيامة فـردًا: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (95)} [سورة مريم 19/88-95] . وكيف يكون له سبحانه ولد وقد خلق كل شيء: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} [سورة الأنعام 6/101] .
ووحدانيته تعالى في صفاته، تدل على أنه لا مثيل له في رحمته ولا في عزته، وجبروته، وملكه، وقدرته، ورزقه، وعلمه، وغيرها من صفاته.
فالله متفرد في صفاته، والذين شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوق، أو صفات المخلوق بصفات الخالق لم يوحدّوا ربهم - تبارك وتعالى -وأشركوا مع الله غيره.
وقد ضل الذين نفوا عن الله صفاته بدعوى أن إثباتها يشبه الله بخلقه، فالله واحد متفرد في صفاته، وصفاته مخالفة لصفات المخلوقين، مثله في ذلك مثال ذاته، فهي مخالفة لذوات المخلوقين.
والذين نفوا عن الله صفاته بدعوى أن إثباتها يؤدي إلى التشبيه شبهوا الخالق بالعدم، فالذي تُنفى عنه الصفات معدوم، ولذلك قال أهل العلم من سلفنا: المشبه يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا، ومرادهم بالمعطل نفاة الصفات.
ثانيًا: وحدانيته تعالى في ربوبيته:
فهو سبحانه وحـده الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل الماء من السـماء، وأنبت به جنات الأرض التي تبهـج النفوس وتسرها: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)} [سورة النمل 27/59-60] .
وقد أنكر الله على الذين اتخذوا أربابًا من دونه في قوله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)} [سورة يوسف 12/39] . وقال مقررًا وحدانيته: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)} [سورة الرعد 13/16] .
ثالثًا: توحيده في ملكه:
ومن توحيد الربوبية: توحيد الله في ملكه، يقول الشيخ حافظ حكمي:
«(الأحد الفرد) وهو أحد في ربوبيته فلا شريك له في ملكه، ولا مضاد، ولا منازع ولا مغالب، فكما أنه (الأحد الفرد) في ذاته وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته فهو المتفرد في ملكوته بأنواع التصرفات، من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماته، والخلق والرزق، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضال، والإسعاد والإشقاء، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والوصل والقطع، والضر والنفع، فلو اجتمع أهل السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهن وما بينهما على إماتة من الله محييه، أو إعزاز من هو مذله، أو هداية من هو مضله، أو إسعاد من هو مشـقيه، أو خفض من هو رافعـه، أو وصل من هو قاطعه، أو إعطاء من هو مانعه، أو ضر من هو نافعه، أو عكس ذلك لم يكن ذلك بممكن في استطاعتهم، وأنى لهم ذلك والكل خلقه وملكه وعبيده وفي قبضته وتحت تصرفه وقهره، ماض فيهم حكمه، عدل فيهم قضاؤه، نافذة فيهم مشيئته، لا امتناع لهم عما قضـاه، ولا خروج لهـم من قبضته، ولا تتحرك ذرة في السماوات والأرض ولا تسكن إلا بإذنه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن»[10] .
رابعًا: وحدانيته في ألوهيته:
فالله هو المعبود الحق الذي يستحق العبادة دون سواه، وكل من عبد معه إلهًا آخر يدعوه، ويستعين به، ويستغيث به، فقد أشرك غيره معه في ألوهيته: {هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19)} [سورة الأنعام 6/19] . {وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)} [سورة النحل 16/51] ، وقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [سورة الكهف 18/110] ، وقال: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } [سورة التوبة 9/31] .
ووحدانية الله أخص خصائص ألوهيته، والإقرار بالألوهية أعظم أنواع العبادة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، ونقيض الوحدانية الشرك، وهو أعظم جريمة يرتكبها البشر، ولعظمها فإن الله لا يغفر لأحد مات على شركه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (48)} [سورة النساء 4/48] ، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً (116)} [سورة النساء 4/116] .
ولما كان المشرك ذنبه غير مغفور، فإن الله حرّم عليه الجنة، وهو خالد في النار لا يخرج منها أبدًا: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [سورة المائدة 5/72] . { وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)} [سورة الأعراف 7/40-41] [11] .
وقد جاء في السنة الصحيحة في كثير من أذكار اليوم والليلة والمناسبات الشرعية الحث على الأذكار التي فيها توحيده سبحانه لا شريك له. ومن أفضلها، وأعظمها، وأشرفها ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)[12] .
وقد جاء الحث على هذا الدعاء دبر الصلوات، وفي أذكار الصباح والمساء، وعند الانتباه من النوم، وعند الدخول للسوق، وفي السعي للحج عند الصفا والمروة، وغيرها من المناسبات.

 

* من كتاب ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها . دراسة تربوية للآثار الإيمانية والسلوكية لأسماء الله الحسنى ) للشيخ / عبدالعزيز بن ناصر الجليل . ط . دار طيبة 1429هـ .
[1] سبق تخريجه ص76.
[2] انظر المنهج الأسنى 1/99.
[3] بدائع الفوائد 1/146.
[4] زاد المعاد 4/181.
[5] انظر تفسير السعدي 5/486، وانظر بهجة قلوب الأبرار ص 165.
[6] انظر المنهج الأسنى 1/99.
[7] الطبري 30/343.
[8] القرطبي 20/246.
[9] ابن كثير، تفسير سورة الإخلاص.
[10] معارج القبول 1/136.
[11] انظر: شرح الأسماء الحسنى د. عمر الأشقر (228 – 232).
[12] الترمذي في الدعوات باب الدعاء يوم عرفة، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2837).


التعليقات ( 0 )