• ×

ماجد بن أحمد الصغير

القدوس جل جلاله (2)

ماجد بن أحمد الصغير

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله الذي لم يزل عليما قديراً ، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً ، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً ، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .

     والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للبشرية ، وهداية للإنسانية المبارك في علمه وعمله وجسده وأمته وسنته .
     أما بعد : فإن من معاني القدوس البركة وهي : كثرة الخير ودوامه ، وإذا كانت من الله فهي في غاية السعة والكثرة والكمال ، فمنه كمالُ البركة فهو الذي يبارك على من شاء من خلقِه من الملائكة والنبيين والصالحين والأزمنة والأمكنة فهو المبارِك - بكسر الراء -  ( والجنة دار القدس وبركاتها تُفتح على أهلها بمزيد لا ينتهي، فهي جنة عرضها السماوات والأرض وموضع سوط فيها خير من الدنيا وما فيها ، فكم يكون خيرها !! رزقها ما له من نفاد ودوامها أبد الآباد ، ومن ثم لا تنتهي بركاتها فلا يحصيها إلاّ رب العباد . إن رزق الحياة الدنيا مُنْذُ بَدْء الخلق وإلي يوم القيامة لا يُعَدُّ شيئاً يُذكر أمام رزق الجنة وخيرها ، فالجنة التي هي ( حظيرة القدس ) هي موضع بركات الملك القدوس الذي تبارك سبحانه ، وتبارك اسمه ) [1] . وأسماء الله كلها مباركة تنال معها البركة الحسية والمعنوية ، وكل ما ذكر عليه بورك فيه ، وكل ما أخلى منه نزعت منه البركة [2].
     وكلام الله مبارك ٌ عظيم البركة ، شرف الله به وجه الدهر والأيام فصارت ليلة نزوله لأهل الدنيا أعظم الليالي بركة ، فعظم قدرها ، وعلت بركتها ، فهي خير من ألف شهر ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ) [ الدخان :3 ] ( إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر ) [ القدر:1-3 ] .
     ومن بركة هذا القرآن أنه يبارك الأعمار ويزكي الأعمال فلا تجد قلباً حواه ، ولا عقلاً وعاه إلا بارك الله في عمره وعمله وأجره فـ( الحرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) [3] فقراءة ( القرآن تجارة لن تبور ، ومنبع لا يغور ، وكنز يرجع إليه ، وذخر يعول عليه ) [4] ، 
     وحتى تنال بركة القرآن لابد من تدبره والتفكر فيه والعمل بما فيه ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) [ ص: 38 ] ( وهذا ذكر مبارك أنزلناه ) [ الأنبياء : 21 ]
     فإذا حصل من الناس التدبر والانتفاع ، حصلت لهم من البركات وعمتهم الخيرات ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) [ الأعراف : 96 ]
     وإذا أعرضوا وكفروا محقت بركات الأرض الطيبة وصارت بوراً ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمنين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث و مزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) [ سبأ : 14- 19] .
     فمن قبل نعمة الله في الدنيا ، وأدى شكرها أدام الله عليه نعمته في الدنيا والآخرة ، وصارت النعمة في حقه بركة خالدة من الله عز وجل ، ومن لم يقبل ويؤدِ شكرها صارت النعمة في حقه نقمة واستدراجاً.
 إن العبرة ليست في كثرة المال والولد والعلم والعمل ، وإنما العبرة في بركتها ونفعها ، فرب عمل قليل ، ومال قليل ، وعمر قصير ، يبارك الله لأصحابه فيه فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنوات يبارك الله له في حفظه وعلمه فيكون راوية الأمة الإسلامية وحافظها .
     وهذه الأمة المحمدية المباركة ببركة هذا القرآن بلغ ملكها مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ هذا الدين كل بيت وبر ومدر بعز عزيز أو بذل ذليل ، وهذا من بركة هذا الدين وخيريته.
     إن مدار البركة ، وقطب رحاها ، وجامع نظامها هو : أن يكون المؤمن مع الله ذاكراً لآلائه ، شاكراً لأنعمه ، قاصداً بعمله وبعلمه وجه الله دون الوجوه ، متحرياً مظان البركة ، وأعظمها كتابه العظيم ، بحر العلوم وكنز الحكمة وجامع البركة . وإن أول خطوات الوصول إلى تحصيل بركة العمر هي ترك الذنوب والتوبة منها والرجوع إلى الله سبحانه فلو كانت الذنوب كزبد البحر كثرة أو كعناء السماء ضخامة ما بالى الله سبحانه بالتعفية عنها بل يمحوها جميعاً ولا يبالي ومن كمال رحمته وبركته أن يبدل تلك السيئات كلها حسنات .
     إن المواهب التي يملكها الإنسان تتحول إلى نقم إذا عريت من توفيق الله وحرمت من بركته وهل يثمر البعد عن الله إلا وحشة وعلقماً ولذا ترى من الناس من تطوى أيامه ولياليه طي السجل للكتاب ، وتمضي عليه السنون الحساب ولا يجد في حياته بركة ولا نفعاً ولا يرى من رواء رحيله عن الدنيا أثراً ، وذلك هو شؤم المعصية وفقدان بركة الطاعة والإيمان . ألا إن بركة العمر في حسن العمل وبركة المال في الجود والبذل .اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا واجعله عونا على طاعتك وبلاغاً إلى جنتك .
     والحمد لله أولاً و آخراً وظاهراً وباطناً .
 

[1] ينظر :شرح اسم القدوس ، فوزي سعيد ص 14، بحث منشور على الشبكة العنكبوتية .
[2] ينظر : مختصر الصواعق ، 2/ 124 .
[3] رواه رواه الترمذي في جامعه 5 / 175 ح [2910] .
[4] اقتباس وتضمين من كتاب المثل السائر 1/47 .


التعليقات ( 0 )