• ×

ماجد بن أحمد الصغير

القدوس جل جلاله (1)

ماجد بن أحمد الصغير

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه ، ونبيه ومجتباه ، محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وسلم تسليماً كثيراً .

     فلله ربنا –وحده- التقديس والتنزيه ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم ) .
     أما بعد : فإن معرفة الله قضية في خطورتها وأهمتيها كالقلب لبقية الأعضاء وكالروح للجسد . والهدف من هذه المعرفة هو عبادته بما يليق به سبحانه والقرب منه وبذلك يسعد الإنسان وتزكو نفسه ويتحقق الهدف المنشود من وجوده ( وما خلقت الجن والإنـس إلا ليعبدون ) [ الذاريات :56 ].
     وإن من أسماء الله عز وجل ( القدوس ) الذي ورد في قوله سبحانه وتعالى ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملـك القدوس ) [الحشر : 23 ]، وفي قوله : ( يسبح لله مافي السموات ومافي الأرض الملـك القدوس العزيز الحكيم ) [الجمعة :1] .
     ومن معاني هذا الاسم :
     الطاهر المنزه عن كل عيب ، وكل نقص وذلك مأخوذ من القدس ، وهو الطهارة [1] فالقداسة المطلقة ، والطهارة المطلقة لله وحده وهذا يلقي في ضمير المؤمن ضرورة طهارة قلبه ؛ لأن ربه القدوس يحب القلب الطاهر المتطهر , فيطهر قلبه ويهذبه , ليصير قلباً صالحا تقياً يتلقى كتاب الله الملك القدوس .
     وإن الناظر في اتقان الكون وإحكامه يستدل بذلك على كمال الإله العظيم الملك القدوس العزيز الحكيم ؛ ولذا تسبحه كل مخلوقاته وتنزهه وتقدسه عن النقص والعجز ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) [ الإسراء :44 ] فالكون كله محـراب عظـيم والمخلوقات فيه خاشعة مسبحة ساجدة ( يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ) [ الحج : 18] ( ولله يسجد مافي السموات ومافي الأرض طوعاً وكرهاً ) [ الرعد :15] (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ) [ الرعد: 13] ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن بالعشي والإشراق ) [ الأنبياء :79] فالخلائق كلها شاهدة على هذا الكمال والجلال منزهة له عن كل نقص .
     ومن معاني هذا الاسم :
     أن الله هو المنزه عن نقائص الملوك كالغرور والشهوات ، ونقائص النفوس كالظلم والهوى ؛ لذا أعقب الله اسم القدوس في الآية اسم الملك فقال سبحانه : ( الملك القدوس العزيز الحكيم )[2].
     ومن معاني هذا الاسم :
     أن الله سبحانه هو الذي يطهر قلوب أولياءه ويزكيها بالعلم والإيمان والعمل الصالح كما قال سبحانه وتعالى : ( ولكن الله يزكي من يشاء ) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزه ربه سبحانه وتعالى بهذا الاسم في ركوعه وسجوده ، فيقول : (( سبُّوحٌ قدوس رب الملائكة والروح )) [3] ويقول إذا سلم من صلاة الوتر : « سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح » .[4]
     إن من أجل مهام النبي صلى الله عليه وسلم هي تزكية قلوب الناس وتهذيب أخلاقهم وتنمية الإيمان في صدورهم ، وقد جاء في ذلك أربع آيات تبياناً لهذه المهمة الجليلة منها قوله تعالى : ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوعليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) [ البقرة : 129] ولذا فإن مهمة الإنسان في الدنيا عبادة الله وطاعته المتضمنة تطهير النفس وتزكيتها والإقبال بها على ربها ، ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) [ الشمس 9 ،10] وبهذا يكون الفلاح ولا فلاح من غير هذا الطريق ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) [الأعلى:14،15] وقال الله لنبيه موسى عليه ( اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى)[النازعات 17 -19 ] فشغل المؤمن الشاغل طهارة القلب من التعلق بغير الله وطهارة جوارحه من المخالفات وطهارة ماله من الشبهات لكي يحظى بالمقام الأعلى بجوار الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، والناس في زهد عن طهارة أنفسهم وتزكيتها ، وفي إقبال على العناية بمظاهرهم وظواهرهم .
     إن المؤمن إذا تقرب إلى ربه بالعمل الصالح امتلأ قلبه بالخير،وازداد طهارة وجاء إلى الله يوم القيامة بقلب سليم طاهر (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) [الشعراء :88 ،89 ]. فالمؤمن الصادق في إيمانه هو الذي يطهر نفسه عن الشهوات ، وماله عن الشبهات ، وقلبه عن الغفلات ، وجوارحه عن المخالفات بامتثال أوامر ربه ، واجتناب نواهيه ، والتأدب بآدابه .. فإذا فعل ذلك استنار قلبه وخشع وظهر ذلك على ظاهره وتعدى ذلك لغيره ، فيطهر أهله وولده [5].
     إن من أعظم أسباب طهارة القلب بعد الإيمان بالله وتوحيده الخالص : كثرة الصلاة ، ودوام الذكر ، وتذكر الآخرة والعمل لها ؛ ولذا قرن الله بينها في قوله تعالى : ( قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى) [ الأعلى : 16]. وإن أسباب دغل القلب وفساده أن يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة ويعيش من أجلها ويوالي عليها وتدور آماله وآلامه عليها .
      قال الإمام ابن القيم – يرحمه الله - : " خراب القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر " [6].
     وإن من أعظم أسباب تزكية النفس غض البصر وحفظ الفرج كما قال قال الله سبحانه وتعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهم ...)  . إن العبد المؤمن بتطهير قلبه وجوارحه وتعظيمه وتقديسه ربه يجد حلاوة الإيمان ، قال الله تعالى ( فمن اتبع هداي فلايضل ولايشقى ومن أعرض عن ذكري فله معيشة ضنكا ) [ طه : 123-124]، وعندها يجد الحياة الطيبة المحفوفة بعناية الله ورعايته ( فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل :79 ] وهذا هو النعيم الدنيوي الحقيقي الذي استصغر واجدوه كل نعيم دنيوي مهماعظم بجانبه.

     اللهم آت قلوبنا تقواه وزكها أنت خير من زكاها ، وطهر جوراحنا ، وعافنا من الذنوب والخطايا وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب .( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين ) . 

 

     [1] تفسير غريب القرآن ، لابن قتيبة ص 8.
     [2] ينظر: التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ص 4375 بتصرف .
     [3] رواه مسلم في صحيحه ح 487 
     [4] رواه أبو داود في سننه ح 1430 . والحديث صحيح . ينظر : مشكاة المصابيح ح 1275 ، وصحيح سنن أبي داود ح 1276 .
     [5] ينظر : الأسنى في شر ح الأسماء الحسنى وصفاتـه ، للقرطبي ص 215، 216. بتصرف .
     [6] الفوائد ، لإمام ابن القيم ص 98 .


التعليقات ( 0 )