ماجد بن أحمد الصغير

الملك جل جلاله (2)

ماجد بن أحمد الصغير

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين ، الإله الحق ، والرب الحق ، والملك الحق .
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله ، وصحبه ، وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد .
ففي الحلقة الماضية كان الحديث عن معرفة اسم الله الملك ، وشيء من معانيه وآثار معرفة ذلك .والحديث يتواصل في هذه الحلقة عن بقية الآثار الإيمانية .
فمن الآثار الإيمانية : اليقينُ الكامل والاعتقاد الجازم بأن الله مالك كل شئ - يدفعُ المؤمن أن يتوجه ، ويفزع إليه في حاجاته ، ورغائبه ، فهو سبحانه المالك لخزائن السموات والأرض ، وخزائنه لا تنقضي من العطاء ، وهو مع ذلك لا يتبرم بالدعاء ، بل يحب من عباده أن يدعوه ، ويرغبوا إليه ليعطيهم ؛ بل إنه يستحي سبحانه أن يرد السائل خائباً صفراً ؛ إنه سبحانه يحب إجابة الدعوات ، وتفريج الكربات ، ومغفرة الزلات ، وتكفير السيئات ، ونصرة المظلوم ، وجبر الكسير . إن من عرف ذلك عرف أين يتجه ، وممن يطلب ، وعلى من يعتمد ، فهو سبحانه على كل شيء قدير ، يخلق مايشاء ، ويفعل مايريد والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون . 
 ومن الآثار الإيمانية : أن ملوك الدنيا - على جلالتهم ، وإحاطتهم بأسباب القوة - ، والمنعة يستغنون عن كل شيء ، لكنهم لايستغنون عن الله طرفة عين ؛ لأنهم فقراء إلى الله ،فقراء إلى رحمته ، وتوفيقه ومغفرته ؛ لهذا ترى الموفق منهم يضع جبهته لصاحب الملك الحقيقي - الله جل جلاله- الذي خضعت له الجباه ، وذلت له الأنوف ، وانحنت له الرقاب . ومنهم من اغتر بملكه وسلطانه وبات في ملكه مسروراً به وإنما بات بالأحلام مغروراً كما قيل عن الأول :
 من بات بعدك في ملك يسرُ به *** فإنما بات بالأحلام مغروراً .
 ومن الآثار الإيمانية : أن على المؤمن بالله إذا عرف أن ربه هو الملك الحق كان عليه أن يتقدم بين يديه بكل طاعة وتوقير ، وأن يحذر من كل تجاوز وتقصير ؛ فإن الملك لا يرضي أن يقترب من حماه قال صلى الله عليه وسلم « ألا وإن لكل ملكٍ حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه»رواه البخاري ومسلم . فإذا كان الملوك يحمون الأرض التي لهم بسياج ويحيطونها بحمى ، فلا يدنو منها أحد ، فمن اقترب منها أو تجاوزها فقد عرض نفسه للعقوبة البالغة إذ كيف يتجاوز حدود الملك ويُستهان بملكه . والله سبحانه هو الملك الحق أحاط حرماته بحدود من تجاوزها فقد ظلم نفسه، وقد خاب من حمل ظلماً فليحذر المؤمن من تجاوز حدود الله ، أو الاقتراب من حماها ، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .
ومن الآثار الإيمانية : أن من عرف ربه المتفرد بالملك ، أبى أن يذل لمخلوق ، وأن يتوجه إليه بالقصد ؛ لأن إظهار الافتقار إلى الله والتبرؤ من الحول والقوة هو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية ، وهي لا تليق إلا لمن له الملك الحقيقي . فمن كانت له حاجة عند مخلوق فليجأ إلى الله ليسيرها ويقضيها فإنه سبحانه مالك الأرواح وبيده النواصي زمامها وخطامها في يديه ، وتدبيرها ومرجعها إليه .
ومن الآثار الإيمانية : أن أشد ما يغضب الرب سبحانه الكبرياء من العبيد فإن ( الكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه فإن لم يهلكك طردك عنه )[1]. ولذا غضب الله على إبليس وطرده من ملكوته الأعلى ولعنه لكبريائه وتمرده .
 ومن الآثار الإيمانية : أن المال ملك الله ، أعطاه للإنسان ؛ ليختبره ويبتليه ؛ فعليه ألا يتصرف فيما أعطاه من مال ، ونفس إلا بأمر الملك كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده فإن الإنسان ناصيته بيد الله ونفسه بيد ربه وسيده ... وقلبه بين أصبعين من أصابعه ، وموته وحياته ، وسعادته وشقاوته ، وعافيته وبلاؤه ، كله إليه سبحانه بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره ، بل الأمر فوق ذلك ، بل نواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء ، عندها لا يخاف المخلوقين ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم فمن عرف هذا صار فقره وضرورته إلى ربه ومتى عرف الناسَ بذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم . قال هود لقومه :( إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) [هود 56 ]. [2]
 ومن الآثار الإيمانية:أنه إذا أكثر المؤمن من التفكر في ملك الله وملكوته أعطي اليقين ، ووهب حياة القلب ؛ قال في حق خليله إبراهيم ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ) [الأنعام 75 ] وإذا باشر القلب اليقين امتلأ نوراً ، وانتفى عنه كل ريب وشك ، وعوفي من أمراضه القاتلة ، وامتلأ شكراً لله ، وذكراً له ، ومحبةً ، وخوفاً [3].
 ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره ، ويستعملها فيما شاء ، فكلها تحت عبوديته وقهره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله قال النبي صلى الله عليه وسلم : { ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ) رواه البخاري ومسلم .فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به القابلة لما يأتيها من هديته ؛ لذا كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون . والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون ، ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب ، والاعتماد عليه ؛ أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وزين له من الأحوال ، والأعمال ما يصده به عن الطريق ، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصايد ، والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق ، فلا نجاة من مصايده ، ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى ، والتعرض لأسباب مرضاته ، والتجاء القلب إليه ، وإقباله عليه في حركاته وسكناته ، والتحقق بذل العبودية ، الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول ضمان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )[ الحجر : 42 ] [4] .
 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم :
( قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس ) .
 ومن الآثار الإيمانية : أن الله سبحانه هو الملك الآمر الناهي ، والذي يعيش في مملكته ، ويأكل من خيراته ، ولا يخرج عن قدرته وحكمه وسلطانه عليه أن يخضع لأمره ، ويكون تبعاً لشرعه ، وحكمه ، وإذا كان الله هو الخالق ولا يَخلق غيرُه ، والرازق فلا يُطلب سواه ؛ فهو كذلك الملك الذي لا يطاع غيره ولا يصدر ولا يورد إلا عن أمره . والقرآن أنزله الله ليحكم بحكم الملك الحق سبحانه أنزله الله لينظم حال الإنسان ، فرداً ، وأسرة ، ومجتمعاً ، ودولة ، وجحد هذا الحق دليل عدم الإيمان باسم الله الملك وما يتضمنه ؛ فلا يجوز أن يكون مع الله أربابٌ يشرعون بغير شرعه ، ولا قياصرة يحكمون بغير حكمه ؛ لأن الله سبحانه هو الملك المطاع الذي يدين الناس له ويتحاكمون بحكمه عقيدة وشريعة وسياسة واقتصاداً .وكما تكون الطاعة له واجبة في الشعائر كذلك تكون فريضة في الشرائع ، وكما يكون الخلق له فكذلك يكون الأمر من عنده ( ألا له الخلق والأمر )
فلا يصلح عند أهل الإسلام – وإن صلح عند غيرهم - أن يكون الإسلام في المسجد ثم هو ينحى عن حياة الناس في الاقتصاد ، والإعلام ، والسياسة ، والاجتماع ، والثقافة ، والآداب ، والشعر،(تلك إذاً قسمة ضيزى) [النجم 22] والله سبحانه ينكر على هذا الصنف من النيا بقوله سبحانه وتعالى ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ! فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب )[البقرة 85].
ولقد رأى هؤلاء خزي الدنيا بتسلط عدوهم عليهم وهوانهم على الناس وسوف يرون يوم القيامة أشد العذاب .وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يحذر هذا الصنف من الناس أن يفتنوه ولو عن بعض الأمر : ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) [المائدة 45] ؛ وذلك أن حكم الله هو الأصلح والأكمل ولا يعدوه إلى حكم الجاهلية إلا قوم لا إيمان ولا يقين عندهم قال سبحانه وتعالى : (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) [المائدة 50 ].وقد استطاع الاستعمار أن يغرس في قلوب نفر من المسلمين أن ما (لله لله وما لقيصر لقيصر ) وليس في الإسلام هذا المبدأ ، بل إن كسرى وقيصر وغيرهم لابد أن يكونوا عباداً لله طائعين يرجون رحمته ويخافون عذابه ؛ إن عذاب ربك كان محذوراً .
إن الله لايقبل من أحد إلا الإسلام الكامل - الإسلام الذي هو : روح الحياة ، وحياة الروح - ؛ لأن الإسلام هو : ( رسالة الحياة كلها ، والإنسان كله ، روحه وقلبه وجسده ، وهو رسالة العالم كله ، والزمن كله ) [5].
 

[1] ينظر : الفوائد ، للإمام ابن القيم ص 159 .
[2] ينظر : الفوائد للإمام ابن القيم ص27 . بتصرف واختصار كثير .
[3] ينظر : مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم 1/154 .بتصرف واختصار .
[4] إغاثة اللهفان ، للإمام ابن القيم 1/ 5 .

[5] ينظر : شمول الإسلام ، للدكتور يوسف القرضاوي ص 45



التعليقات ( 0 )