• ×

ماجد بن أحمد الصغير

(الله جل جلاله)(2/2)

ماجد بن أحمد الصغير

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد : 

فهذه الحلقة تتمة للحلقة السابقة عن اسم ((الله)) جل جلاله وتقدست أسماؤه ، أتحدث فيها على بيان آثــار معاني اسم  ((الله)) ، فمن آثـار معرفة اسم ((الله)) :

2- أن ذكر الله سبحانه وتعالى سبب لطمأنينة القلب ، وانشراح الصدر ، قال الحق سبحانه :

( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [الرعد : 28 ]

وهذا مشاهد مجرب عند المؤمنين ، ولا يوجد عمل أشرح للصدر كدوام ذكر الله تعالى ، فبذكر الله سبحانه تنقشع سحب الخوف والحزن والهم ، و تزول جبال الكرب والغم .وقد قيل لرجل كان يكثر من ذكر الله عزوجل : أمجنون أنت ؟ فقال :  هذا دواء الجنون !. فما على من أُثقل كاهلُه بالهموم ، وناء ليله من مقاساة الأحزان والشدائد ، إلا أن يسرع  إلى مولاه ويلوذ بحماه .عن سعدرضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن  الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له  » [1]. وعن بن عباس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلمكان يدعو بهن عند الكرب : «  لا إله  إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ،  لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش الكريم » [2]  وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال : «  ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث » [3] وعن أبي بكرة رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « دعوات المكروب : اللهم رحمتك أرجو فلاتكلني إلى نفسي طرفة عين . وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت » [4]

 

3- أن البعد عن الله سبب الشقاء والحيرة .

كثيرٌ هم الذين هربوا من الرق لربهم الذي خلقهم ورزقهم ، فكان الشقاء والحيرة قريناً لهم ، وقد اختلفت  في التعبير عن ذلك أساليبهم ، حتى قال قائلهم :  جئت لا أعلم من أين ، ولكني أتيت . ولقد أبصرت أمامي طريقاً فمشيت . وسأبقى  سائراً إن شئت هذا أم أبيت . من أين جئت ، من أين أبصرت طريقي لست أدري ؟

يالله لِحالِهم !! إنها حال الأشقياء البعداء المعرضين ، حالٌ تُصم السميعَ ،  وتُعمي البصيَر ، ويُسأل من مثلِها العافية . وصدق الله - جل وعلا - إذ يقول : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) .[ طه : 124 – 127]

4- أن الإيمان بالله يجعل عند المؤمن ثقة بالله ، أنه يعينه ، ويكلأه ، ويحفظه ، وينصره ، وأنه سبحانه لا يخذله ، ولا يضيعه ، ولا يتركه ، ولايسلمه  لعوادي الأيام ، ولا لصروف الدهر . والله عند ظن عبده به ، فالمؤمن لايخاف على رزق  أن ينقطع ، ولا على أجلٍ  أن ينقضي ، فالإنسان ليس هو الذي كفل نفسه إذ كان جنيناً  يوصلُ اللهُ  إليه ألطافه وأرزاقه وطعامه وشرابه .

سهرت عيون ونامت عيـون          في شؤون تكون أو لا تكون .

إن رباً كفاك بالأمس ما كان           سيكفيك في غـدٍ ما يكـون .

 فالمؤمن دائماً واثق  بالله ، محسن الظن به . والله عز وجل عند ظن عبده به  فليظن العبد بربه ماشاء .

5- مع الله سبحانه وتعالى تهون المصاعب والمصائب .

مع الله سبحانه وتعالى يهون على المؤمن المصاب ، وتسهل عليه الصعاب  ، فيقدم عليها ، طيب القلب ، رابط الجأش ؛ لأنه مع الله . إن سحرة فرعون رأوا من فرعون  هولاً عظيماً ، و سمعوا منه توعداً كبيراً ، أرادهم على أن يتركوا دينهم الذي اقتنعوا به ، وأن يكفروا بربهم الذي آمنوا به ، ربهم الذي فطرهم فوجدوا الأمن في قربه وذاقوا من حلاوة الإيـمان ما طغى على مرارة العذاب فقالوا :

( لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ) [ طه : 72 – 75] فلما سمت أرواحهم ، وعلت همتهم ، وشعروا بشرف معية الله لهم ، هانت عليهم أنفسهم في ذات الله . فمع الله تهــون المصاعب والمصائب .

 

فلـيتك تحلو والحـياة مــريرة *** وليتك تـرضى والأنـام غضاب

وليـت الذي بيني وبينك عامـر ***وبيني وبـين العـالمـين خراب.

إذا صح منك الود فالكــل هين *** وكـل الذي فوق التراب تراب .

 وفي صفحات التاريخ صحابي بطل لسان حاله : لانبالي مادمنا مع الله ، ولو آلمونا ولو أحرقونا و لوقطعونا . وما دمنا مع الله وهو راض عنا فالكل هين . ولسان مقاله :

ولسـت أبالي حين أُقـتَل مسلماً *** على أي جنبٍ كان في الله مضجعـي

وذاك في ذات الإلـه وإن يـشـأ *** يـبارك على أوصـال شلوٍ ممـزع

   وأما بلال  رضي الله عنه فغلبت حلاوة إيمانه آلالامَه وجراحَه فما يبالي حر الظهيرة المحرقة  في صحراء مكة الملتهبة فكان يعبر عن محبوبه بكلمات لايحسنها إلا من عاش مع الله .   أحدٌ أحدٌ      أحدٌ أحدٌ .

وامتحن ابن البابلسي فسجنه الفاطميون وصلبوه لتمسكه بالسنة .قال أبو ذر الحافظ :سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول : كان يقول وهو يسلخ ω كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ω (الاسراء:58)  أمروا يهودياً ، فسلخه من مفرق رأسه حتى بلغ  الوجه وكان يذكر الله ويصبر حتى بلغ الصدر ، فرحمه اليهودي ، فوكزه بالسكين موضع قلبه ، فقضى عليه ، ولما سلخ كان يسمع من جسده قراءة القرآن !! [5]

  فليهنأ  أيها المؤمن عيشُك  ، وليعذب موردُك ؛ فإنك مع الله ، ومن كان مع الله فلا يضيره مافقد .

6- أن اسم الله سبحانه وتعالى اسم عظيم مبارك ، لا يذكر على قليل إلاَّ كثره ، ولا على يسير إلا كثره ولا على مريض إلاَّ شفاه ... ولا مصاب إلا نفعه وعافاه بإذن الله  سبحانه وتعالى.جاء عثمان بن أبي العاصرضي الله عنه  إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : وجع أجده في جسدي منذ أسلمت  فقالصلى الله عليه وسلم:«   ضع يدك على الذي تألم من جسدك ، وقل : بسم الله . ثلاث مرات ، وقل : أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر . قال : ففعلته ، فأذهب الله عني ما أجد » [6] . وعن أبي هريرةصلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال يارسول الله : مالقيت من عقرب لدغنتي البارحة ؟فقال صلى الله عليه وسلم : «   أما لوقلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شرما خلق لم يضرك شيء » [7] .

7- إن على المؤمن  إذا عرف ربه  بهذا الاسم واستشعر هذه المعاني ألاَّ يلتفت إلى غيره، وأن لا يرجو سواه سبحانه وتعالى ، وأن لا يخاف إلاَّ منه سبحانه وتعالى  وذلك أن الإيمان بالله تعالى يعمر القلب بالثقة به سبحانه وتعالى ، ويملئه رغبة فيما عنده ، ويجعل الإنسان يهتف باسمه في صباحه ومسائه ، وبكوره وأصائله : أن يتولى أمره ، وأن يسدد خطاه ، وأن ييسر له سبيل الخلاص من عدوه الذي نزل دار أمنه وسكونه .

 اللهم لا تجعل أملنا  إلا فيك ، ولا توكلنا إلا عليك ، ولا ثقتنا إلا بك ، ولارجاء نا إلا بما في يديك  ، ولا حبنا إلا لك ، ولا خوفنا  إلا منك .

اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك ، وأفقر خلقك  إليك . يا من لايزداد على كثرة السؤال إلا جوداً وكرماً. ولايزداد على كثرة الحوائج إلا تفضلاً وإحساناً ، تقبل منا ، وارض عنا .  ياكريـم .

اللهم صل على نبينا محمد .والحمد لـله رب العـالمين .



التعليقات ( 0 )