ماجد بن أحمد الصغير

الله جل جلاله (1)

ماجد بن أحمد الصغير

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، أحاط بكل شيء علماً ، وأحصى كل شيء عدداً ، وهو على كل شيء قدير .

 له الحمد كله ، لامانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ولا باسط لما قبض ،  ولا قابض لما بسط  ، ولا هادي لمن أضل ،  ولا مضل لمن هدى ،  ولاينفع ذا الجد منه الجد .

 والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين . أمابعد .

 ففي هذه الحلقة نتحدث اسم عظيم من أسماء الله الحسنى ، وهو اسم ( الله ) جل جلاله وعز شأنه ، فإنه سبحانه أحق من عبد  ، وأحق من ذكر ، وأجود من سئل ، وأوسع من أعطى  .

  والله تعالى  هو المعبود بحقٍّ الذي تقصده كل الكائنات ، وتعنو لجلال هيبته كل المخلوقات ، فإذا خاف الإنسان التجأ إلى الله مولاه ، وإذا افتقر اتجه إلى الله جل في علاه ؛ وذلك أنَّ القلوب مفطورة على التوجه إليه ، لكنَّها في حالات الرخاء يعلوها الران ، فإذا نزلت بها نوازل القضاء اتجهت إلى الله وتركت كل ماسواه .

  سأل رجلٌ الإمام جعفر الصادق رحمه الله  ، فقال له : يا إمام من هو الله ؟ !

فقال له: ألم تركب البحر ؟ قال : بلى .قال : هل حدث مرة أن هاجت الريح عاصفة ؟قال : نعم . قال : وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة ؟قال : نعم . قال :فهل خطر في بالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء ؟ قال : نعم . قال : ذلك هو الله !.

  ومصداق ذلك في كلام الله عز وجل ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً ) [الإسراء : 67] .

  إنَّ الإنسان في ذلك الموقف ينسى كل أحدٍ ، ويغفل عن كل شيء ، ولا يجد في قرارة نفسه إلاَّ أن هناك إلهاً عظيماً قادراً على أنْ ينَّجيه إذا شاء .

  إنّه الله - سبحانه - الذي لا يخيب معه رجاء ، ولا يضيع عنده سعي ، ولا يرد عن بابه واقف ، عزُ كل ذليل ، و قوةُ كل ضعيف ، و مفزعُ كل ملهوف ، من تكلم سمع نطقه ، ومن سكت علم سره  ، ومن عاش فعليه رزقه  ، ومن مات فإليه منقلبه . لا إلـه إلا هو الرحمن الرحيم .

  والألوهية : هي التوجه إلى الله سبحانه وتعالى وحده بالرغبة والرهبة ، والخوف والرجاء ، والحب . وقد جعلها الله حكمة خلق الجنِّ والإنِّس ، فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه وحده ، وهو - سبحانه -يذكر في كتابه الكريم : أنه لم يخلق الإنِّس والجنَّ إلاَّ لذلك ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [الذاريات : 56-58] .

  وكلمة ( لا إله إلاَّ الله )  اشتملت هذا الاسم الكريم ، على اسم ( الله سبحانه وتعالى ) وتضمنت حكمة الخلق وهذه الكلمة لعظم ما تضمنته من اسمه سبحانه وما اشتملت عليه من معانٍ ، إذا وزنت لا يثقلها شيء ، وإذا  فقدت فلا يقوم مقامها شيء . فقد ورد في حديث البطاقة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " إنِّ الله سيخَّلصُ رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول أتنكر من هذا شيئا أظلمك كتبتي الحافظون ؟  فيقول :  لا يا رب . فيقول : أفلك عذر؟  فيقول : لا يا رب . فيقول  : بلى إنَّ لك عندنا حسنة فإنَّه لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله فيقول: احضر وزنك . فيقول :يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات . فقال : إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفه والبطاقة في كفه فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء ".[1] .

وعن أبي سعيد الخدري  رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "  قال موسى : يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به .قال : قل يا موسى لا إله إلا الله.قال : يا رب كل عبادك يقول هذا .قال : قل لا إله إلا الله .قال :إنما أريد شيئا تخصني به .قال : يا موسى لو أنَّ أهل السماوات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله" [2].

 إن المداومة على هذه الكلمة مع يقين القلب لمعانيها ، وتحقق الجوارح بالعمل لما تدل عليه ألفاظها ومبانيها ، يجدد ما اندرس من معالم الإيمان في القلب ، ويكسوه نوراً ، ويملؤه يقيناً ، ويفتح له من الأسرار مايعرفها كل مؤمن موحد ،  ولاينكرها إلا كل جائر ملحد .كيف لا ، وهذه الكلمة هي القطب التي تدور عليه رحى الإسلام ، والأساس الذي تبنى عليه بقية الأعمال، والمفتاح التي يجوز به كل مؤمن موحد إلى الجنة دار السلام .

 آثار الإيمان بهذا الاسم .

1- أنَّ الإيمان بالله سبب السعادة والنعيم ، قال الله جل وعلا : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) [النحل :97] . فالروح لا تأنس ولا تفرح ، ولا يذهب بهمها وقلقها إلاَّ الإيمان بالله ، وبقدرتحصيله تكون السعادة . فالسعادة سببها الإيمان بالله ، والرضا عنه في مواطن الجزع والكرب ، سعادة أظلت أصحابها بأجنحتها أشبه بسعادة المتقين عند ربهم في جنات النعيم .

 إنَّ الإيمان بالله هو دوحة السلام الخضراء ، التي يفيء إليها الضاحون من نفحات الحياة وزفراتها ؛ ولذا كانت الحياة بدون إيمان هجير محرقة ، أو ظلمة موحشة .

  (إنَّ السعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل أحد ، وقد طلبها كثيرون ، لكنَّ أكثرهم يطلبونها في غير موضعها ، فيعودون كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء  ، صفر اليدين ، مجهود البدن ، كسير النفس ، خائب الرجاء . فقد جرب الناس في شتى العصور ، ألوان المتع المادية ، وصنوف الشهوات الحسية ، فما وجدوها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً .

وفي إحدى المجلات نشر تحقيق صحفي منذ سنوات بعنوان : أهل الجنة -  سكان السويد- ليسوا سعداء! .فلماذا لم يكن هؤلاء سعداء مع ما هم فيه من رغد العيش ، وكمال المتع وانتشارها ، وتعددها من كل صنف ، ومن كل لون ؟ لأنهم يعيشون حياةً قلقة ، كلها ضيق وتوتر ، وشكوى وسخط ؛ ولذا يهرب هؤلاء من حياتهم إلى الانتحار . وأمريكا التي هي أغنى بلاد العالم على الرغم مما فيها من ناطحات السحاب ، ومراكب الفضاء ، و ألوان المتع ، لم تستطع أن تحقق لأبنائها السعادة ، حتى قال بعض مفكريها  :

 إنَّ الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من النعاسة والشقاء !!

 إنَّ كثرة المال ، وكثرة الأولاد ، وكثرة المتع ليست سبباً للسعادة ، وليست العنصر الأول فيها ، بل ربما كانت كثرة المال وبالاً على أصحابه في الدنيا قبل الآخرة ، وهكذا هو حال من جعل الدنيا أكبر همه ، ومبلغ علمه ، ومنتهى أمله دائماً معذب النفس ، متعب القلب ، مثقل الروح ، لا يغنيه قليل ، ولا يشبعه كثير .

 إنَّ السعادة شيء داخل الإنسان ، لا يرى بالعين ، ولا يقاس بالكم ، ولا تحويه الخزائن ، ولا يشترى بالدينار ولا بالدرهم ، السعادة شيء يشعر به الإنسان بين جوانحه ، صفاء في النفس ، واطمئنان في القلب ، وانشراح في الصدر .

وقد ذكروا أن زوجاً غاضباً على زوجته ، قال لها متوعداً : والله لأشُقِينَّك .فقالت الزوجة: إنك لا تستطيع أن تشقيني كما أنك لا تملك أن تسعدني .

 فقال لها : وكيف لا أستطيع ؟

 فقالت: لو كانت السعاة في مال ٍ لقطعته عني ، أو في زينة أو حلي لأخذته مني ، ولكنها في شيءٍ لا تملكه أنت ، ولا الناس أجمعون . فقال لها في دهشة : وما هو ؟ فقالت : إني أجد سعادتي في إيماني ، وإيماني في قلبي ، وقلبي لا سلطان له عليه غير ربي !

  هذه الحياة الحقيقية التي لا يملك بشر أن يعطيها ، ولا يملك أحد أن ينتزعها ممن أوتيها . إنها سعادة الإيمان بالله التي وجدها أحد المؤمنين وصرَّح بها قائلاً :

   إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف . وقال آخر وهو في قمة السعادة الإيمانية التي ملأت عليه أقطار نفسه : إنه لتمر علي ساعات أقول فيها :

   لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه لكانوا في عيش طيب !

وإذاكانت السعادة شجرة منبتها النفس الإنسانية ؛ فإن الإيمان بالله ، والدار الآخرة هو : ماؤها وغذاؤها ، وهواؤها وضياؤها [3] .

  فالإيمـان بالله عز وجل هو باب السعـادة الأعظم . ومفتاح هذا الباب أن تتعرف على الله جل جلاله وتقدست أسماؤه  .

اللهم يامولانا أسعدنا بمعرفتك  ، وشرفنا بطاعتك ، ولاتشقينا بمعصيتك .

اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار.

...      يتبع  في الحلقة القادمة بإذن الله. 

 

[1] رواه الترمذي في جامعه  5/24، رقم ( 2639 ) وقال : هذا حديث حسن غريب . ورواه ابن ماجه في سننه 2/1437، رقم (4300 ) ، وابن حبان 1/46 ، رقم (225)  ، والحاكم 1/41 ، رقم (9 ). والحديث صححه ابن حبان و الحاكم ، وقال الذهبي : هذا على شرط مسلم .

[2] رواه الترمذي 5/ 572 ، رقم (3585 ) ، ورواه ابن حبان في صحيحه 14/102 ، رقم  (18 62) والحديث صحيح  . ينظر : السلسلة الصحيحة : 4/6 ، رقم (1503) .

[3] ينظر : كتاب الإيمان والحياة  ص:83-92 بتصرف واختصار



التعليقات ( 0 )