• ×

أ.د. أحمد القاضي

الفقه في الدين والبيِّنة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن من علامة إرادة الخير بالعبد أن يرزقه الفقه في الدين؛ ففي المتفق عليه من حديث معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) .
     والفقه في الدين يتناول أموراً عدة :
     أحدها : (الفقه الأكبر) الذي هو العلم بالله تعالى، وما ينبغي له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وتنزيهه عن النقص والعيب ومماثلة المخلوقين . قال ابن أبي العز الحنفي، رحمه الله، في مقدمة شرحه لعقيدة الإمام الطحاوي : ( فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ ، إِذْ شَرَفُ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ . وَهُوَ الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِقْهِ الْفُرُوعِ ، وَلِهَذَا سَمَّى الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رحمه الله تعالى - مَا قَالَهُ وَجَمَعَهُ فِي أَوْرَاقٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَحَاجَةُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ حَاجَةٍ ، وَضَرُورَتُهُمْ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْقُلُوبِ ، وَلَا نَعِيمَ وَلَا طُمَأْنِينَةَ ، إِلَّا بِأَنْ تَعْرِفَ رَبَّهَا وَمَعْبُودَهَا وَفَاطِرَهَا ، بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَيَكُون مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِمَّا سِوَاهُ ، وَيَكُون سَعْيُهَا فِيمَا يُقَرِّبُهَا إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ )
      الثاني : الفقه في الأصول، ومعرفة مقاصد الشريعة، والكليات العامة، والبصيرة بالضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، وتحصيل المصالح، ودرء المفاسد. وهو فقه عزيز، وملكة تنشأ عن طول الممارسة، والرسوخ في العلم .
     الثالث : الفقه في الفروع : بمعرفة الأحكام الجزئية، والحلال والحرام، بأدلتها التفصيلية من الكتاب والسنة، دون تقليد، أو جمود .
     الرابع : الفقه في التطبيق؛ بإلحاق النوازل بأبوابها، وحسن تصورها، وتكييفها، وتوجيهها الوجهة المطابقة لها . وهذا لا يحسنه كل أحد .
     وثمرة هذا ( الفقه في الدين ) أن يعبد العبد ربه على بينة ! فشتان بين من يعبد الله جرياً على المألوف، أو موافقةً للموروث، وبين من يعلم ما يأتي وما يذر . قال تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) محمد: 14، وقال : ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) هود: 17، وأمر نبيه أن يقول: ( إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ) الأنعام : 57
     وكثير من الناس يفقد (البينة) ولا يرفع بها رأساً، ولا يرى بفقدها بأسا، ولهذا تنكشف الأمور في الفتنة والامتحان؛ ففي صحيح البخاري، من حديث أسماء، رضي الله عنها، مرفوعاً: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا، وَآمَنَّا، وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًاً، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوْ الْمُرْتَابُ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًاً فَقُلْتُهُ ) وفي لفظ عند أحمد، والطبراني : ( فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى الشَّكِّ حَيِيتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ ) .
     وحريٌ بالمؤمن الفَطِن أن ينشر ديوانين : ديوان (لمَ ؟) ، وديوان (كيف ؟) لكي يتبين (الإخلاص) لله تعالى، و (المتابعة) لنبيه صلى الله عليه وسلم، فيحقق البينة، والفقه في الدين، وبذلك ( يَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) الأنفال: 42 .


التعليقات ( 0 )