• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والأسرة (3)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فللأسرة وجه آخر سوى العلاقة الزوجية بين الذكر والأنثى . تلكم هي (الذرية) من بنين وبنات . قال تعالى : ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) النحل: 72. فالذرية الطيبة زينة الحياة (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) الكهف: 46، والاستيلاد مطلب فطري، لأنه امتداد الحياة، وإرث الإنسان. وقد طلب الولد أنبياء الله، عليهم السلام : (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) آل عمران: 38، وقال : (فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) مريم : 5-6
إن اتصال (العقيدة) بالذرية يبتدئ منذ اللحظة الأولى التي تتشوف النفس الإنسانية إلى حصول الولد، فيدرك الأبوان أن الأمر بيد (الوهاب) . قال تعالى: ( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إنلثاً ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير ) الشورى: 49-50
فإذا ما تمت الأمنية الأولى تاقت النفس إلى أعلى من ذلك؛ وهو (صلاح الذرية) وأيقنت أن ذلك بيد الله، فسألته (ذريةً طيبة) وأن يجعله (صالحاً) في خُلُقه، وخِلْقته. قال تعالى : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين ) الأعراف: 189.
وفي مشهد ختامي أخير، يقف العاقل الرشيد وقفة تبصر، وينظر نظر فاحص إلى الوراء، بعد اكتمال قواه العقلية، والبدنية، متأملاً: ( حتى إذا بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) الأحقاف: 15. وهكذا يرى الإنسان أن مشروع العمر، وسيرة الحياة، لا تكتمل إلا بربط السابق (الوالدين) باللاحق (الذرية) ويمسك طرفيها مغتبطاً بنعمة الله عليه، ضارعاً إليه أن يوزعه الشكر، ويرزقه العمل الصالح، والتوبة النصوح .
وهكذا تؤطر (العقيدة) قضية (الذرية) وتجعلها بين (قوسين) . وبين مشهد الدعاء بحصولها، ومشهد الدعاء بصلاحها، تدور رحى (التربية) ومعاناة (التأديب) . ويجعل الله تعالى ذلك منوطاً بالوالدين، ويقرنه بأصول الإيمان، وأسس العقيدة. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم: 6، وقال صلى الله عليه وسلم : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) متفق عليه، وقال: ( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ ) رواه الترمذي وأحمد.
والعقيدة الحقة تطالب المربي بالشرع، وتعفيه من القدر! فالأقدار بيد الله، والقلوب بين أصبعين من أصابعه، يقلبها كيف يشاء! فعلى المؤمن أن يوطن نفسه على الرضا بالمقسوم، وحسن الظن بالعليم الحكيم، سيما في هذه المسألة الحساسة التي تلامس حبات القلوب : (ونادى نوح ربه فقال إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) هود: 45-46، فربما كانت (الذرية)، رغم استفراغ الوسع، وبذل الجهد (عمل غير صالح) ! كمن قال الله عنه : (والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي، وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ) الأحقاف: 17، وربما كانت (الذرية) قرة عين للوالدين، وسبباً لاستمرار عملهما الصالح، قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ) رواه الترمذي والنسائي.
وما أجمل العاقبة، وأعظم المنة، عند الاجتماع بالذرية في الجنة، قال تعالى : (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) الطور: 21


التعليقات ( 0 )