المشرف العام

مراتب مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم

المشرف العام

 0  0  2.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله (ت. 795 هـ) :

قوله صلى الله عليه وسلم : "وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري *"
هذا يدل على أن العز الرفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لامتثال متابعة أمر الله، قال تعالى : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ..﴾(النساء-80) وقال تعالى : ﴿..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..﴾(المنافقون-8)  وقال تعالى : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا..﴾(فاطر-10)
وفي بعض الآثار يقول الله تعالى : "أنا العزيز فمن أراد العز فليطع العزيز"
** . قال الله تعالى : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ..﴾(الحجرات-13) ، فالذلة والصغار يحصل بمخالفة أمر الله ورسوله .

ومخالفة الرسول على قسمين :

 أحدهما:
  مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره كمخالفة الكفار ، وأهل الكتاب الذين لا يرون طاعة الرسول ، فهم تحت الذلة والصغار ، ولهذا أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، وعلى اليهود الذلة والمسكنة لأن كفرهم بالرسول كفر عناد .

 
من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية فله نصيب من الذلة والصغار ، وقال الحسن : إنهم وإن طقطقت بهم البغال ، وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية في رقابهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه ، كان الإمام أحمد يدعو: (اللهم أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية) .

 
*البخاري, (كتاب بدأ الوحي-88)

** أورده الذهبي في كتاب الموضوعات, وقال الألباني: موضوع (السلسلة الضعيفة-5752)
وقال أبو العتاهية :

 

ألا إنما التقوى هي العز والكرم       

وحبـــــــــــــك للدنيا  هو  الذل والسقــــــــم
وليــــــس على عبـــد تقي نقيصـــــة       

إذا حقق التقوى وإن حاك أوحجم

فأهل هذا النوع خالفوا الرسول من أجل داعي الشهوات .

(النوع الثاني) من خالف أمره من أجل الشبهات:وهم أهل الأهواء والبدع ، فكلهم لهم نصيب من الذلة والصغار بحسبمخالفتهم لأوامره، قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾(الأعراف-152)
وأهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله ، وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة افترائهم عليه ، وقد جعل الله من حرم ما أحله اللهوحلل ما حرمه الله مفتريا عليه الكذب ، فمن قال على الله ما لا يعلم فقد افترى عليهالكذب ، ومن نسب إليه ما لا يجوز نسبته إليه من تمثيل أو تعطيل ، أو كذب بأقداره فقد افترى على الله الكذب .
وقد قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور-63). وقال سفيان : (الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم) .
فلهذا تغلظت عقوبة المبتدع على عقوبة العاصي لأن المبتدع مفتر على اللهمخالف لأمر رسوله لأجل هواه .

فأما مخالفة بعض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ من غير عمد ، مع الاجتهاد على متابعته ، فهذا يقع كثيراً من أعيان الأمة من علمائها وصلحائها ، ولا إثم فيه ، بل صاحبه إذا اجتهد فله أجر على اجتهاده ،وخطأه موضوع عنه ، ومع هذا فلا يمنع ذلك من علم أمر الرسول، نصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين، ولا يمنع ذلك من عظمة من خالف أمره خطأ ، وهب أن هذا المخالف عظيم له قدر وجلالة ، وهو محبوب للمؤمنين إلا أن حق الرسول مقدم على حقه وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم .
فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ، ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم الأمة ، فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ .

المصدر: الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب الحنبلي والثاني:



التعليقات ( 0 )