• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والأسرة (2)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد جرى الحديث عن دور العقيدة في إبرام عقد الزوجية، وضبط العلاقة بين الزوجين، وصيانتها. وحديثنا هذا، عما إذا تفاقمت الأمور، ووقع المحذور، وأطلق الزوج لفظ الطلاق . ومثل ذلك واقع في حياة البشر، ومتوقع، لأسباب عدة، فلا مناص حينئذ، من الفراق .
والعقيدة تؤطر الحياة الزوجية بإطار واضح كريم هو (المعروف)، كما قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) النساء: 19، أي بالصحبة الجميلة، وبذل الندى، وكف الأذى. فإن جرى كسر هذا الإطار، فلا يسوغ الاستمرار في (المنكر) بل لا بد من (التسريح بإحسان) ، وفي لفظ التسريح ما يدل على السلاسة، والصون، والستر، دونما ضجيج، أو فجور في خصومة. وليس ثمَّ خيار ثالث ؛ قال تعالى : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) البقرة : 229، فلا تجوز (المضارة) بأي صورة من الصور؛ من تعليقها، أو إيذائها بقولٍ، أو فعل، أو ابتزازها. وتلك ممارسات خفية، يتمكن الحقود، اللئيم من تعذيب مطلقته بها، كأن يطلقها، فكلما شارفت عدتها على الانقضاء راجعها، ليطول عليها المدة، ويؤذيها. لكن التحذير القرآني الرهيب يردع المؤمن عن تلك الممارسات؛ ويذكر بنعمة الله التي فرقت بين حياة الجاهلية والإسلام. قال تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، فأمسكوهن بمعروف، أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، ولا تتخذوا آيات الله هزواً واذكروا نعمة الله عليكم، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) البقرة: 231
وإبَّان العدة الرجعية، يحد الله حداً للزوجين المختصمين، فيلزمهما بالمكث سوياً، ويحيط تطبيق ذلك بالضمانات الإيمانية المستمدة من عقيدة الزوجين، القائمة على تعظيم الرب، وتقواه، والثقة بحكمته، وحسن قضائه ؛ قال تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ) الطلاق: 1
والطلاق لا يهدر حقاً محفوظاً للمرأة؛ من استرجاع صداق، أو جحد باقيه؛ قال تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ) البقرة : 229، وقال : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً. وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ) النساء: 19-20، وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن أحق الشروط أن توفوا به، ما استحللتم به الفروج ) متفق عليه .
وحين لا يريد الزوج فراق زوجته، لا مضارةً بها، ولكن حاجةً إليها، وعدم قدرة على مؤنة سواها، أو غير ذلك، وتريد هي فراقه لسببٍ لا تملك دفعه، كبغضٍ نفسي، أو دمامة خَلْق، أو فظاظة خُلُق، أو غير ذلك مما به بأس، فقد أباح الله لها أن تفتدي نفسها من هذا (الأسر) الذي لم يعد (أسرة)؛ قال تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) البقرة : 229. وهكذا نرى (حدود الله) معالم بارزة، وإشارات تحذيرية في طريق الحياة الزوجية، في حال الوفاق، والفراق .
وحتى في أشد صور الفراق مأساوية، وهي (اللعان)، الذي يجري بسبب رمي الزوج زوجته بالزنا، يُستدعى مخزون العقيدة، لاستجلاء الحقيقة، وتحميل الزوجين مسؤولية ما بدر منهما، من قذف، أو فجور، قال تعالى : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) النور: 6-9 . فيالها من روادع وزواجر، لا تملك أحكم النظم الأرضية اصطناع مثل تأثيرها، لكونه يلامس عقيدة القلب، الذي يخاف من لعنة الله، وغضبه.


التعليقات ( 0 )