• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والأسرة (1)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن (الأسرة) نواة المجتمع، وملتقى الزوجين؛ الذكر، والأنثى، ومحضن الأولاد. وقد عني بها الشرع الحنيف أيما عناية، وفصل في أحكام النكاح؛ من خطبةٍ، وعقد، وشروطٍ، ووليمة، وعشرة، ونفقة . كما عني بأحكام الفراق؛ من طلاق، وخلعٍ، وفسخٍ، ولعانٍ، وعدد، بتفصيلات مبسوطة في كتب الفقه . إلا إننا في حديثنا هذا، نسلط الضوء على ارتباط العقيدة بهذا العقد الكريم .
فأول بادرة: أن الله جعل العلاقة بين الزوجين آيةً للتفكر والاعتبار، فقال: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيةً لقوم يتفكرون ) الروم : 21. فالنساء شقائق الرجال، بل إن المرأة خلقت من الرجل، كما قال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ) النساء: 1.
وهذا تأسيس كريم، رفيع، لطبيعة العلاقة بين الزوجين، ينفي انحرافين خطيرين :
أحدهما : النظرة الازدرائية للمرأة، واعتبارها (نجساً) أو (شيطاناً) كما كانت تضخه النصرانية المحرفة، وتدعوا إلى التبتل، والرهبنة، ونبذ المرأة .
الثاني : النظرة الحيوانية البهيمية، التي لا ترى في المرأة إلا (قضاء وطر)و(متعة جسد) و(شهوة مجردة) من جميع القيم الإنسانية .
فيرى المؤمن في زوجه، وشريك عمره : (سكناً) و محلاً لـ (المودة) و (الرحمة ) .
و (عقد النكاح ) الذي يؤذن بابتداء الحياة الأسرية، عقد شرعي موثق بكلمة الله، مؤمَّن بأمانة الله، كما أعلن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في (الإعلان النبوي لحقوق الإنسان ) يوم عرفة، في حجة الوداع، وبين يديه مائة ألف أو يزيدون، فقال في خطبته : ( واستوصوا بالنساء! فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) رواه مسلم . فياله من عقد رباني، وأمان إلاهي يوجب على الزوج الرعاية التامة، والوفاء بمقتضى العقد؛ من غير مَنِّ، ولا أذى .
ثم إذا عرض للحياة الزوجية عارض من كراهة وانقباض من قبل الزوج، يقرع سمعه ، ويلفت نظره، تنبيه لطيف، يلامس أعماق القلب، وأغوار العقل : ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) النساء: 19، فيطمئن لوعد الله، ويركن إلى الصبر والأمل، فسرعان ما يحمد العاقبة،ويسلم البيت.
وحين يبدر من المرأة نشوز وترفع على زوجها، يأمر القرآن الزوج العاقل بعلاجها علاجاً مترفقاً، متدرجاً، يبدأ فيه بموحيات العقيدة؛ وهي الموعظة، فيقول: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) ولكنه لا يدعه يتمادى، فتلك وسائل لا مقاصد، فإذا حصل المطلوب فليتق الله، ولا يظلم من رجعت إلى الطاعة، ولا يبغ عليها بأي صورة من الصور، فلها من يحميها، وهو (العلي) (الكبير) سبحانه : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً ) النساء: 34، فحينئذ ترتجف فرائص الزوج التقي لختم الآية بهذين الاسمين العظيمين، فيمتنع من ظلمها .
وهكذا تكتنف (العقيدة) (الأسرة) في تكوينها، وفي استمرارها. وسنتناول في الحلقات القادمة، إن شاء الله، جوانب أخر . والله الموفق .


التعليقات ( 0 )