وهج الصيف - العقيدة والحياة

  • ×

أ.د. أحمد القاضي

وهج الصيف

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن من المفارقات الأساسية بين المؤمن والغافل، أن المؤمن يبصر بنور الله، ويهتدي بوحي الله، ويتحسس ما حوله بأنامل الحكمة، فيعود ذلك كله مدداً لإيمانه، وغذاءً لروحه. بخلاف الغافل، بليد المشاعر، غليظ الطباع، فإنه قد جعل بينه وبين آيات الله، ودلائل ربوبيته حجاباً صفيقاً، وابتنى دونها سداً منيعاً، فتعطلت مداركه، وجفت منابعه. قال تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون ) [الأعراف : 179]
ومن حكمة الله البالغة أن جعل هذا الكون متنوعاً، متغيراً، ولم يجعله جامداً سرمداً! فيحدث ذلك للمؤمن مشاعر متجددة، وعبوديات متنوعة، لا تقع له حال الديمومة والاسترسال. وقد أدرك هذه الحكمة الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، قال الحسن : (كانوا يعني الصحابة يقولون : الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقاً دائماً، لا ينصرف، لقال الشاك في الله : لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادَثَه و إن الله قد حادَث بما ترون من الآيات: أنه جاء بضوء طبَّق ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشاً، وسراجاً وهاجاً ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين، وجعل فيها سكناً، ونجوماً، وقمراً منيراً. وإذا شاء بنى بناءً، جعل فيه المطر، والرعد، والبرق، والصواعق، ما شاء. وإن شاء صرف ذلك الخلق. وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس. وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه، بما ترون من الآيات. كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا و جاء بالآخرة ) [لطائف المعارف : 1 / 347]  
وفي فصل الصيف، تبدو الصورة السطحية، لآحاد الناس: حرٌ، ووهجٌ، وضيقٌ، وعرقٌ! ثم فزعٌ إلى توفير وسائل التبريد، ونزوح إلى أماكن الاصطياف. وذلك أمر تمليه الطبيعة البشرية . لكن المؤمنين ينظرون نظرة أعمق، وينقدح لهم من موحيات الإيمان، ومستنبطات العقيدة، في حلول فصل الصيف، معاني متعددة، منها :
1- التدبر العميق لبديع خلق الله، وجميل صنع الله، الذي أتقن كل شيء، فجاء على نسقٍ مطرد، ونظام متسق، وتنوع فريد منضبط !
2- الخوف من النار ؛ بجامع الحر في الأمرين، مع بعد الفارق. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم، قال: ( اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون من الحر، من سموم جهنم، و أشد ما تجدون من البرد، من زمهرير جهنم ) . فيتبادر إلى ذهن المؤمن ما أوعد الله به الكافرين، والعصاة، فيحدث له موعظةً، وتضرعاً . روى عثمان الدارمي بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم شديد الحر، فقال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم! اللهم أجرني من حر جهنم. قال الله لجهنم: إن عبداً من عبادي قد استجار بي منك، و قد أجرته )
3- الصبر على طاعة الله التي تشتد في هذا الفصل : من المشي إلى الجمع والجماعات، وصوم الفرض والنفل ، ومكابدة ظمأ الهواجر، وأداء الحج والعمرة، والنفرة إلى الجهاد، واتباع الجنائز، وشهودها في المقابر، في حمئة الشمس، وغير ذلك من أنواع العبادات. فيتراوح المؤمنون في أدائها ما بين صابر، وراضٍ، وشاكر. قال ابن رجب، رحمه الله: ( خرج رجل من السلف إلى الجمعة، فوجد الناس قد سبقوه إلى الظل، فقعد في الشمس، فناداه رجل من الظل أن يدخل إليه، فأبى أن يتخطى الناس لذلك، ثم تلا : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) [لطائف المعارف: 1/347]
هذا غيض من فيض، من تفاوت الخلق في استقبال المتغيرات، والتفكر في أسرار المحدثات، مرده إلى الاعتقاد المكنون في القلب . فمن صح قلبه، صح قوله، وعمله، وفكره، وخواطره . ومن فسد قلبه فسدت هاتيك كلها . والله المستعان .


التعليقات ( 0 )