• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والأخلاق (2)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
جرى الحديث في الحلقة السابقة عن حقيقة الأخلاق، وأنواعها، ودور (العقيدة) في تحفيز صالح الأخلاق، وتثبيط سيئها بإجمال . ونتناول في هذه الحلقة، بنوع مقاربة، آلية تأثير العقيدة في الأخلاق واستصلاحها .
يمكن أن نبصر ثلاث طرق لتأثير العقيدة على الهيئة الخلقية المسلكية للإنسان :
الأولى : إصلاح القلب : وهو البؤرة التي تنطلق منها انفعالات الحي . فما أن تخالط بشاشة الإيمان شغاف القلب حتى يستحيل خلقاً جديداً، وتعاد صياغة القيم، والمبادئ، والقناعات، وفق العقيدة الجديدة، فترق النفس، وتتهذب الطباع، بصورة عجيبة، سريعة، جذرية، تدهش المراقبين ! وشواهد ذلك في قصص إسلام الصحابة الكرام، وحوادث اهتداء المجرمين العتاة، أشهر من أن تذكر .
وهذا المسلك هو الذي تنتهجه أساليب الطب النفسي الحديث؛ في تغيير طرائق التفكير، وإعادة ترتيب القناعات، لدى المرضى، وتدندن حوله تقنيات البرمجة العصبية، ودورات تطوير الذات، لكنها لا تستقوي إلا بالعقل المجرد، فلا تحقق إلا قدراً محدوداً من النجاح، بينما يفعل الإيمان فعله العجيب في النفوس، فينفذ إلى (البؤرة) و (السويداء) فيعيد (البرمجة) وفق معايير كريمة، زاكية . قال تعالى : ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) آل عمران: 164
الثانية : المجاهدة : وهي عملية مستمرة للاستقامة على قانون الإيمان، وحمل النفس الجموح على لزوم الجادة بأنواع المؤثرات الإيمانية . وهي آلية مؤثرة، بلا ريب، كما قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت : 69. فالرياضة والتهذيب، والمراقبة، والمراجعة، والمحاسبة، والتوبة، تثمر ترقياً في الأداء، واستقامة . خلافاً لدعاة التثبيط، وأسرى العادات، والبطَّالين، الذين يحيلون تغير الطباع والأخلاق بجبرية مقيته، واستسلام مهين ، يهدم مشروع التربية .
والواقع المحسوس يدل على أن الدربة، والتمرين، تؤثر في البهائم العجماوات؛ فتذللها، وتعسفها، وتحملها على أنماط منظمة في الحركة والأداء، فكيف بالحيوان الناطق، العاقل، المكلف ؟!
والواقع المحسوس يدل على تحول شخصيات، فظَّة، غليظة، غضوبة، إلى شخصيات رقيقة، رحيمة، حليمة . وكم من جبان طبعاً، استعذب الشهادة في سبيل الله شرعاً ! وكم من بخيل طبعاً، أرخص الغالي والنفيس ابتغاء الله والدار الآخرة !
الثالثة : الدعاء : حين يجد المؤمن نفسه في صراع مرير مع خلق سيءٍ متأصل، يقعد به، ويؤثمه ، ويخدش مروءته، ثم لا يجدي فيه مجاهدة، أو يمل من معاناتها، يرفع أكف الضراعة إلى مقلب القلوب، ومغير الأحوال ، داعياً بما دعا به رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ : ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ) رواه مسلم .
وهذه الطرائق الثلاث، متصاحبة، متلازمة، تفضي بصاحبها إلى درجات عالية؛ من زكاة النفس، ورقة الطبع، وعلو الهمة، وطيب المزاج . ويتربع على سدة هذا السلم السامق معلم الناس الخير، وأسوة المؤمنين، محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه وزكاه بقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) القلم : 4. قالت عائشة رضي الله عنها : (كان خلقه القرآن ؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه ) رواه مسلم .


التعليقات ( 0 )