• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والأخلاق

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن ( الخُلُق ) هو الصورة الباطنة للإنسان ، كما أن ( الخَلْق ) هو صورته الظاهرة. والأخلاق هي مجموع الهيئة الشخصية، والصفات النوعية لدى إنسانٍ ما، تمثل (مزاجاً) وتنتج (سلوكاً) يميزه عن سائر الآدميين، كما يتميز بلونه، وطوله، وسائر صفاته العضوية. والناس يبصرون من المرء أخلاقه، ويقومونه مدحاً، وذماً، وينفعلون تجاهه حباً، وبغضاً، من خلال أخلاقه غالباً .

والأخلاق نوعان :

أحدها : جِبِلِّيٌّ، طبعي، تحمله المورثات (الجينات) كما تحمل الصفات الوراثية العضوية، من أسلافه المتقدمين، فمنها ما يكون (سائداً) ومنها ما يكون (متنحياً )،كما قال صلى الله عليه وسلم في الذي ولدت امرأته غلاماً أسود : ( عسى أن يكون نزعه عرق ) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه . وعليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ، لأشج عبد القيس: " إن فيك لخلتين يحبهما الله : الحلم والأناة " فقال : أخلقين تخلقت بهما ؟ أم خلقين جبلت عليهما ؟ فقال : " بل خلقان جبلت عليهما " فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى ) رواه مسلم ، وأبو داود .

الثاني : كسبي، مستفاد من الوالدين، والمجتمع، والرياضة، والعقل ، وسائر المؤثرات الخارجية . ويعبر عنه المثال النبوي البديع : " مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة " . متفق عليه .

وكلا النوعين ينقسم إلى محمود، ومذموم . فآلت الأخلاق إلى أربعة أنواع .

وبين (العقيدة) و (الأخلاق) ارتباط وثيق ، وتأثير عميق . فالعقيدة أنفع غذاء، وأنفذ دواء، يصل إلى بؤرة النفس، وسويداء القلب ، فيحدث فيها من التعديلات والإصلاحات ما لا تسطيعه كافة المؤثرات الأخرى .

 ويتمثل تأثير العقيدة في البناء الخلقي للمؤمن في جانبين :

أحدهما : تحويل الأخلاق الجبلية، والكسبية الكريمة من مجرد كونها (محمدة) ، و(كمالاَ إنسانياً) إلى (عبادة) و (قربة) و ( احتساب) و( مجاهدة )، فتصبح ( الشجاعة) ( جهاداً في سبيل الله ) لا ( رياءً، وسمعة )، و (الكرم ) ( زكاةً، وبراً، وصلةً ) لا (مباهاةً وإسرافاً ) وهكذا . فيحصل للمؤمن ثواب الدنيا والآخرة .

الثاني : تهذيب الأخلاق الجبلية، والكسبية السيئة، وتركها، طاعةً لله، وطمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه ، وتعظيم حقوقه، وحقوق عباده .

لا شيء يمكن أن يقوم مقام ( العقيدة ) الحية، النابضة، في تعزيز القيم الخلقية الكريمة، وحفزها، وتصويبها ، ولا في إقصاء الأخلاق الرذيلة، وكبتها، ومدافعتها . والمؤمن الموفق هو الذي يتمكن من استنباط الدوافع العقدية العميقة في مشروع التربية الخلقية، وتوظيفها لبلوغ الكمال الإنساني المقدر .

إن نظرة واعية في سير النبلاء من السابقين واللاحقين، لتكشف عن الأثر الهائل، والنقلة الواسعة ، لأفراد سمت نفوسهم ، وعلت أخلاقهم من حضيض الدناءات إلى أعلى الدرجات، بعد أن خالطتها بهجة الإيمان، وصحة الاعتقاد . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .



التعليقات ( 0 )