• ×

المشرف العام

(من جرائم الباطنية)

المشرف العام

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قال ابن كثير – رحمه الله – في حوادث سبع عشرة وثلاثمائة 317هـ: في موسم الحج:

 
(.. وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطى قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبو طاهر – سليمان بن أبي سعيد الجنابي – لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول: أنا الله وبالله أنا، أخلق – هكذا – الخلق وأفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً. بل يُقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذٍ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب، أنشد وهو كذلك:
ترى المجين صرعى في ديارهم *** كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيراً منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام. ويا حبذا تلك القتلة، وتلك الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يغسلوا، ولم يكفنوا، ولم يصل عليهم لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر. وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار. فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجلٌ فضربه بمثقَّل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل أين الحجارة من سجيل ؟ ثم قلع الحجر الأسود، وأخذه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه كما سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.)
البداية والنهاية 11/160-161

 

 
وقد أجاب ابن كثير عن سؤال: لِم لم يعاجلوا بالعقوبة كما عوجل أصحاب الفيل ؟ فقال:
( قد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها، وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعاً عاجلاً، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه و أخربوه لأنكرت القلوب فضله. أما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع، وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً، وإنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليومٍ تشخص فيه الأبصار، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيزٍ مقتدر.)
البداية والنهاية 11/162


التعليقات ( 0 )