• ×

د. أحمد القاضي

الإجازة الصيفية (كل الناس يغدو)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فقد روى الإمام مسلم، والترمذي، والنسائي، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) .
كان ذلك تصويراً نبوياً رائعاً للنشاط الإنساني، وخلاصته . الناس ، كل الناس، يسعون في هذه الحياة، ويكدون، ويكدحون، على أنحاء متنوعة، قال تعالى : ( إن سعيكم لشتى ) الليل : 4. وهذا النشاط جزء من كينونتهم، لا انفكاك لهم عنه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام ) رواه أبو داود . فابن آدم حارث بطبعه، همام بطبعه . والحرث أعم من أن يراد به حرث الأرض، فهو بمعنى الكسب. والهم يتناول كل ما تنزع إليه النفس نزوعاً مستقراً، فهو بمعنى الإرادة . ولذا كانا أصدق الأسماء؛ لأن الإنسان لا يخلو من هم، وكسب، وحياته من سعي، وغدو، ورواح .
فمن استنار بنور الله، واتبع هداه، حمد العاقبة، وأعتق نفسه ومن تنكب الطريق، وأعرض عن ذكر الله باء بإثمه، وأوبق نفسه. قال تعالى : ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى) الليل: 4-10
وفي هذه الإجازة الصيفية ، تجري حركة دائبة في أوساط الناس؛ غدواً ورواحاً، جيئةً وذهاباً، تنزعهم نزعات شتى، هي مثار تأمل واستبصار !
- فبينا ترى رجالاً، ونساءً يغذون السير، وينتهبون الخطى، لزيارة بيت الله الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شوقٍ بالغ، وهوى مضطرم ! تجد آخرين يقذفون بأنفسهم وأهليهم في بلاد الخنا، ومواطن الريبة ! وسبحان الله !
- وبينا شباب يلاحقون الدورات الشرعية، ويرحلون في طلب العلم ، ترى أقرانهم ونظراءهم من الشباب يترنحون في الحانات، ويتدنسون مع المومسات . وسبحان الله !
- وبينا أفراد ينتهزون الفرصة لطلب الرزق، وتحصيل المعاش، إذا بمترفين يهدرون الأموال الطائلة بغير حساب ! وسبحان الله .
إن خلف هذه التصرفات الحياتية ( عقيدة ) محركة، باعثة، دافعة . فحين تكون تلكم العقيدة صحيحة ، تثمر حركة صالحة . وحين تكون باطلة ، فإنها تنتج جنسها . وحين تكون عقيدة ( مغيَّبة ) وإن شئت فقل : ( معلَّبة ) ، تقع الازدواجية في السلوك . فما أحرى العاقل أن يكون على بينة من أمره، يبصر ما يأتي وما يذر، فما الليل والنهار سوى (خزانتين ) نلقي فيهما مكتسباتنا، لتصبح مدخراتنا، فإذا كان يوم القيامة فتحناهما، فوجدنا ما أسلفنا من خير أو شر. قال تعالى :(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد)آل عمران: 30


التعليقات ( 0 )