• ×

وليد المرزوقي

مناسبة القرقيعان

وليد المرزوقي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
في ليلة النصف من رمضان وربما قبلها بقليل، يطل احتفال حولي في بعض بلدان المسلمين لاسيما في الدول الممتدة على ساحل الخليج العربي كالكويت وشرق السعودية و قطر و الإمارات و جنوب إيران و البصرة و غيرها.
إنه احتفال القرقيعان، والتي أخذ في التوسع والانتشار خلال السنوات الأخيرة.
ولم أقف خلال دراستي لهذه الظاهرة البدعية على سبب راجح لتسميتها بذلك، إلا أن أكثر هذه الأسباب واقعية، السبب الذي يقول إن مأخذ ذلك من قرع الأبواب الملازم لهذا الاحتفال أو من الصوت الصادر من اصطكاك أصوات الحلوى داخل السلال.
فما هي هذه البدعة؟
اعتاد بعض الناس في يوم وليلة الخامس عشر من رمضان، وربما قبله بقليل أن يحتفلوا احتفالاً عاما يشارك فيه المجتمع بجميع فئاته العمريَّة، حيث يكون لكل دوره.
فالكبار يقومون بالاستعداد والإعداد والتجهيزات من توفير الحلوى والمكسرات قبل الاحتفال بيومين أو أكثر من المحلات التجارية وتجهيز أكياس خاصة للصغار يضعونها على رقابهم.
أما الصغار وهم أبطال هذا العيد –كما يقال-، فإنهم يجعلون على أعناقهم وصدورهم أكياس قد أعدت لهذه المناسبة، ثم يطوفون في الحي أو القرية مرددين أراجيز قد خصصت لتلك الأيام لايخلو بعضها من محاذير شرعية، ثم يقرعون الأبواب و يسألون الناس أن يعطوهم مما عندهم سواء كان من الحلوى أو من المكسرات أو غير ذلك، وبعض الأغنياء يوزع نقوداً، ومن أعطاهم شكروه ودعوا له ومن لم يعطهم ذموه وسبوه بل ربما تعرض للاعتداء برمي الحجارة وشيء من الأذى، ثم بعد ذلك يعودون أدراجهم بهذا الكسب لأن الأكياس قد امتلأت بل ربما عاد إلى البيت وفرغ الأولى ثم التحق بالركب إلى الدار التي وصلوها وهكذا حتى منتصف الليل.
أما لمحال التجارية فتقوم بتوفير الحلويات والمكسرات بكميات كبيرة، ويختلف أسلوب العرض من محل لآخر ، وكذلك الأسعار تختلف لاختلاف التجهيز والكمية والطلب.
كما يظهر في هذا اليوم بعض المظاهر المشابهة لمظاهر الأعياد، من لبس الجديد، والتوسعة على الأهل، والاجتماع على الطعام، والبهجة والسرور، وغير ذلك.
ويبدأ الاحتفال من المغرب إلى منتصف الليل وفي بعض المناطق من الصباح إلى الليل.
وهكذا في كل عام.
وأجدني هنا مضطراً إلى الحديث عن أصل وسبب نشأة القرقيعان، وإن أسهبت قليلاً لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد تعددت الأقوال في أصله ونشأته وليس هناك ما يرجح أحد تلك الأقوال على الآخر ترجيحاً قاطعاً، وإليك بعض هذه الأقوال:-
القول الأول: أن هذه الظاهرة تلقاها أهالي المنطقة من بعض النصارى الذين كانوا مستعمرين لها وقد رضخت هذه المنطقة (ساحل الخليج العربي) تحت الحكم البرتغالي الصليبي الحاقد فترة ليست باليسيرة تقارب نصف قرن وذلك في القرن العاشر الهجري من سنة (921هـ) إلى سنة (957هـ) وقيل إلى سنة (968 هـ) كما ذكر ذلك مؤرخو المنطقة ولاشك أن للغالب أثراً على المغلوب لاسيما وهذا الغالب من الصليبين الذين قد عرفوا بالعناية بأعيادهم وطقوسهم التعبدية ومنها الاحتفالات التي لها أفعال خاصة وأزمنة خاصة، وبحكم تواجدهم في المنطقة ووجود حامية لهم فيها فلا يبعد أنهم كانوا يقيمون شعائرهم ومنها عيد الحلوين، وقيل عيد الهلوين، الذي يحتفلون به ليلة الحادي والثلاثين من أكتوبر، تشرين الأول من كل سنة.
في هذا اليوم عندهم يجتمع الأطفال ويحملون معهم السلال ويتجولون على المنازل ويقرعون الأبواب فيُعطون الحلوى وإذا أعطوا شكروا المعطي وان حرموا ابدوا تذمرهم فأصدروا أفعالاً و أقوالاً توضح ضجرهم، وهذا العيد مازال له رواجه عندهم.
وتلحظ هنا –أخي القارئ الكريم- التشابه في طريقة الاحتفال بين القرقيعان والهلوين
قالوا: فلعله انتقل بفعلهم إلى المنطقة بحكم السيطرة والجوار، وتغيرت بعض الأفعال والعبارات مع الزمن فأصبح الاحتفال على الوضع الموجود الآن والمسمى بالقرقيعان.
أو أن النصارى القاطنين هناك بدءوا عيدهم الكرسمس في ليلة الخامس عشر من رمضان ولبعد المسلمين عن دينهم شاركوهم في فرحهم ومن ثم اهتم عوام المسلمين بهذه الليلة وورثوها عن آبائهم.
القول الثاني: أنه عيد للرافضة بمولد الحسن بن علي –رضي الله عنه- الذي وافق مولده الخامس عشر من رمضان.
يقول صالح الكرباسي –أحد علماء الشيعة المعاصرين-: إن مبدأ القرقيعان يرجع إلى مولد سبط رسول الله -صلى الله عليه و آله- الحسن بن علي- عليه السَّلام- ، حيث أن ولادته الميمونة كانت في النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة المباركة .
وما أن عَلِمَ المسلمون بخبر الولاة الميمونة التي فرح بها النبي -صلى الله عليه و آله- و أهل بيته -عليهم السلام- حتى توافدوا على بيت الرسول ( صلى الله عليه و آله ) يزفون إليه أحر آيات التهاني و يباركون له مولد سبطه الحسن ، و هكذا بقيت هذه العادة جارية في المسلمين حتى يومنا هذا.أهـ
ومنهم تلقفه عوام السنة، فأصبح حفل القرقيعان..
القول الثالث: أنها عادة كانت تمارس في عصر العباسيين، وحسب تلك العادة يطوف الفقراء في منتصف الشهر البيوت منشدين بحداء أقرب إلى الرجز يقول: «يا صاحب البيت أجر جوعان يا ربنا إعطه بيتاً في عالي الجنان»، وكان الفقراء يقصدون بيت الخليفة وبيوت الوزراء بهذه الأغنية طوال ليل ونهار منتصف رمضان، كما ذكر أبو الفرج الأصفهاني في المجلد الخامس من كتاب «الأغاني»
المبحث الرابع: حكم هذا الاحتفال
يتضح مما سبق أن هذا الإحتفال لايخلو من ثلاثة أحوال:-
1. أن يكون أصله عيداً للنصارى، فهذا لاشك في حرمته، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب لما ورد من النصوص المستفيضة في النهي عن التشبه بالقوم، كقوله –عليه الصلاة والسلام- : {من تشبه بقوم فهو منهم}، قال شيخ الإسلام بن تيمية –رحمه الله-:وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم.أهـ[اقتضاء الصراط المستقيم 1/83]
2. أن يؤتى به على وجه التعبد، فلا يجوز، ولو لم يعرف أصله، لما تقرر أن العبادات لابد فيها من الإتباع، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتفل لاهو ولا أصحابه..بهذا اليوم، إلا زعماً من بعض الرافضة الذين اعتادوا الكذب فيما ينقلون.
فهي بهذا الاعتبار بدعة، وكل بدعة ضلالة...
ويدخل في هذا القسم من تلقف هذا العيد من الرافضة الذين تبين أنهم يقصدون به مولد الحسن بن علي –رضي الله عنه-
3. أن يكون على وجه العادة والعرف، فيحرم هذا الاحتفال؛ لأوجه:-
1. أن الأعياد في الإسلام ثلاثة عيد الفطر وعيد النحر وعيد الجمعة، فمن زاد فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه وكل بدعة ضلالة.
فإن قال قائل هو ليس بعيد
فالجواب من وجهين:-
الوجه الأول: أن مظاهره مظاهر العيد، بل تزيد في أحوال كثيرة، ومن استقصى الحال استبان له ذلك.
الوجه الثاني: أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك كما قرر شيخ الاسلام ابن تيمية في الاقتضاء [1/189]
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال {ما هذان اليومان} ؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر } صححه الألباني [صحيح الجامع: 4381]
وفي هذا الحديث لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذين اليومين هل هما عيدان أم لا. بل حكم عليهما من خلال مظاهرهما
2. أنه وإن سُلِّم أنها عادة فلا يُسلَّم أن أصلها من الأصول المباحة، والشارع الحكيم له نظر في أصول الأفعال، وما يحتف بها من القرائن، فلذلك لما أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة قال النبي صلى الله عليه وسلم {هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟} قالوا: لا، قال: {هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟} قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم} رواه أبو داود: 3 / 238 حديث رقم:[3313] وصححه الألباني
3. أن بباب سد الذرائع مما أتت به الشريعة ، وفتح باب الاحتفالات التي تعود بعود السنة وغيرها يصيرها عيداً مقدساً، وهذا لا يخالف فيه عاقل فضلاً عن غيور على أمته، فسدا لهذه المآل المتحتم وجب سد ذرائعه والتي منها، احتفال القرقيعان. والله أعلم
4. ما فيها من المفاسد والمنكرات المصاحبة، والتي يكفي واحد منها في نقلها إلى حيز المنع، ومنها:-
1- مضاهاته للأعياد الشرعية وذلك بلبس الجديد وغيره من الاستعدادات.
2- تربية الناس –لاسيما الأطفال- على البدع والضلالات ، وتعليقهم بغير الأعياد الشرعية، وكما تقدم فإن هذا الاحتفال تصاحبه أكثر أحوال الأعياد الإسلامية كالابتهاج المماثل لفرحة العيد...
3- مشابهة النصارى في عيد الهلوين.
4- مشابهة الرافضة في موالدهم .
5- الاهتمام به على انه أحد أهم مظاهر شهر رمضان.
6- اعتباره من أعياد الأطفال ولا أصل لذلك.
7- احتفاء البعض به على انه من المناسبات الدينية.
8- اعتقاد البعض أن في التوسعة على الأطفال فيه سبب في بسط الرزق.
9- الظن أن لياليه ليال مباركة.
10- اعتباره ليلة مفتوحة لا عتاب على أحد فيها وهذا مناف للدين.
11- التربية على سؤال الناس وطرق الأبواب ( الشحاذة ) والتي لا يرضاها من عزت نفسه، ومن عبارات الأطفال في تلك المناسبة (أعطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم)وقد نهي المسلم عن المسألة إلا من حاجة وفاقة
12- الإسراف والتبذير الذي يتجاوز الوصف أحيانا.
وغير ذلك من المفاسد.
13- أن هذه الساعة التي ينشرون فيها صبيانهم هي من ساعات الشياطين التي يخشى على الأطفال أن يصيبهم أذاً فيها بل أمرنا أن نحبس الصبيان هذه أللساعة كما ورد في صحيح البخاري[رقم:3106] من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إذا استجنح الليل أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا}.
ولهذه الاعتبارات وغيرها جاءت فتاوى العلماء بلسماً لهذا الجرح النازف علها أن توافق محلا صالحاً فتؤثر...، وعلى رأس تلك الفتاوى فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، فقد أجابت على من سأل عن هذه المناسبة بما نصه: الاحتفال في ليلة الخامس عشر من رمضان أو في غيرها بمناسبة ما يسمى مهرجان القرقيعان بدعة لا أصل لها في الإسلام (وكل بدعة ضلالة) فيجب تركها والتحذير منها ولا تجوز إقامتها في أي مكان لا في المدارس ولا المؤسسات أو غيرها. والمشروع في ليالي رمضان بعد العناية بالفرائض الإجتهاد بالقيام وتلاوة القرآن والدعاء. والله الموفق.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم..
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس
عضو
عضو
عضو
عضو
عبدالعزيز بن عبد الله بن باز
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
عبد الله بن غديان
بكر أبو زيد
صالح الفوزان
 
 
وهناك فتاوى أخرى أدعها اختصاراً.
أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يرده إلى الحق، وأعتذر هنا عن الإختصار، وما دعاني لذلك إلا المنهج الذي درجت عليه في هذه الزاوية..
ومن أراد الاستزادة فليراجع بحثاً للشيخ محمد بن رمزان آل طامي الهاجري على شبكة نور الاسلام، فقد استفدت منه كثيراً في هذا البحث.
والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


التعليقات ( 0 )