• ×

د. أحمد القاضي

فقه البدايات

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
 فلا يزال ابن آدم يمتطي ظهر الجديدين ؛ الليل والنهار . يحملانه إلى كل جديد ، ويوردانه الصفو والكدر ، حتى ينزلاه قبره ، فيخلو بما جمع ؛ من خير أو شر ، قال تعالى : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران:30) . وكل الناس يغدو ؛ فبائع نفسه ، فمعتقها ، أو موبقها . وهو بين مخافتين ؛ أمس قد ذهب ، لا يدري ما الله صانع فيه ، وغدٍ قد أقبل ، لا يدري ما الله قاضٍ فيه . والموفق من وفقه الله ، والسعيد من سبقت له من الله الحسنى .
 لكل جديد لذة ، ونشوة ، وابن آدم حارث ، وهمام ، يشب ويشب معه أمله . ونفسه اللوامة تسعى بين علمين ، فتارةً تكون أمَّارة ، وتارة تصبح مطمئنة . وهو ينمى لأيتهما غلب ، والأعمال بالخواتيم .
 وحين يستقبل المرء جديداً ، ويستشرف أفقاً ، ويرود أرضاً بكراً ، يحتاج إلى زاد، وعتاد ، يقطع به الرحلة ، ويستعين به على النقلة . ولا بد له من ثلاثة أمور :
أحدها : نية نقية ، لا عفن فيها ، صافية ، لا كدر فيها ، تبارك العمل وتزكيه ، وتحيل العادة عبادة ، تخلِّص صاحبها من ملاحظة الأقران ، ويستوي عند مستصحبها المدح والقدح؛ أولى درجاتها مصحِّحة ، وما بعدها مقرِّبة ، في سلَّم صاعد إلى مراقي الكمال، في ذروته الذين أنعم الله عليهم من النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا . ودونهم أطباق ممن خلطوا عملاً صالحاً ، وآخر سيئاً ، وهم ما بين صاعد وهابط ، قد علم كل أناس مشربهم .
 والنية نيتان ؛ نية تتعلق بالمعمول له ، و نية تتعلق بذات العمل. فالأولى يحصل بها التمييز بين الإخلاص والرياء ، وعليها مدار شهادة لا إله إلا الله . وفيها كلام الواعظين ، والعلماء الربانيين .والثانية يقع بها التمييز بين العبادات والعادات ، وبين أنواع العبادات ، وكيفياتها ، وعليها مدار شهادة أن محمداً رسول الله ، وهي المرادة في كلام الفقهاء غالباً .
 ولا بد للمؤمن من تعاهد نيته ، وتقويتها ، وإذكائها ، وتصفيتها من الشوائب ، والعوالق ، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة . وأن يختار لذلك الأوقات الملائمة التي يستجمع فيها همته ، وعقله ، وصفاءه ، ليفتش ، ويفحص ، ويدقق .
الثانية : تخطيط صائب ، مبني عل مقدمات صحيحة ، ومعرفة تامة بالقدرات ، والإمكانات ، الذاتية ، والاجتماعية ، لا إفراط فيه ، ولا تفريط . فلا يحمل المؤمن نفسه ما لا يطيق ، فينوء بالحمل ويقف ، لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى . كما لا يضيع الفرص ، ويهدر الأوقات دون طائل ، فيطوى بساط العمر ، والقلب غافل .
 وينبغي للموفق أن يستشير من يظن به خيراً ، أو يعلم له تجربةً وسبقاً ، ليستنير برأيه ، ويستفيد من تجربته . ثم يتناول قلما وورقةً ، ويرسم خطةً زمنية لتوزيع الأعمال على الأوقات ، بعدل وإنصاف .
الثالثة : عزيمة ماضية ، وهمة عالية ، لا يعتريها تردد أو فتور ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا كنز الناس الذهب والفضة ، فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ...الحديث ) وقال : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير. استعن بالله، ولا تعجز ...الحديث ) فعليه أن يحذر من انحلال العزم بكثرة الالتفات، وليكن أخا ثبات، لا صاحب هبات .
وقد قيل :
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تترددا
 هذا ، وإن من أسباب الثبات : الدعاء ، ودوام الذكرى ، وصحبة الخير التي تعين على البر والتقوى ، وإدمان النظر في سير النبلاء ، وما يجنونه في الآخرة والأولى .
 اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد من خلقك فنهلك، وكلنا إليك وحدك، فإنك نعم المولى، ونعم الوكيل .


التعليقات ( 0 )