• ×

وليد المرزوقي

الاستهزاء بأهل الصلاح

وليد المرزوقي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :

في ظل الهجمة الشرسة على ثوابت الدين ومسلماته، تُظهر فلتات ألسن المنافقين وأقلامهم ما تكنُّه صدورهم من عبارات تشي ببغض أهل الصلاح المستمسكين بعرى الدين وشعائره، رجالاً ونساء، أسوة بأسلافهم تلاميذِ ابن أبيّ حينما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً ... يريدون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهر ذلك على صفحات صحفهم، وقالات أقلامهم، ونبرات منابرهم الإعلامية..وغيرها.

ومن أمثلة ذلك:-

1.   وصف أهل الصلاح والاستقامة ، بالإرهابيين والنفعيين، وطريقتهم بالرجعية.

2.   السخرية بمظاهرهم وهيئاتهم المبنية على السنة، كالسخرية باللحية وقصر الثوب، وكذا بالحجاب والقفازات للنساء.

3.   تحجيم أخطائهم وهفواتهم، ووضعها تحت المجهر، وتناسي إنجازاتهم ولو على مقياسهم، والتغافل عن طوام إخوانهم وأنفسهم،كما قال القائل:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً

مني وما أذنوا من صالح دفنوا

صم إذا سمعوا خيراً ذكرت بـه

وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا

 

 

وغير ذلك من الأمثلة التي لا تخفى على كل ذي عينين.

ولنا أن نتساءل... ما لذي يحمل أولئك على ذلك؟!

أهو بغض الشريعة وحملتها، فيا لَله! كم يحلم ويفجرون!؟

أم هو جهل بمعرة سوء أفعالهم؟

أم هم يعلمون ولكن أغاظهم حب الناس لهم والتفافهم عليهم

فكما قال القائل:

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

 

 

أم جل ذلك فهي الطامة، نسأل الله لهم الهداية والتوفيق إلى الصراط المستقيم

لأجل ذلك، ولكثرة ما يكتب في بعض الصحف حول السخرية بأهل الصلاح والإصلاح أحببت أن أهمس في أذن أولئك ومن يوافقهم في رأيهم أو يسمعهم فيرضى فعالهم، أو يتقاعس عن الرد عليهم ظناً منه أنها قضية فرعية لا تستحق الرعاية... إلى كل أولئك أقول: إن السخرية بأهل الصلاح والإصلاح ليست بالأمر الهين فقد دلت النصوص على شناعتها والتحذير منها، واعتبرت مرتكبها كافر بالله العظيم! إذا كانت سخريته نابعة من بغض الدين أو شعيرة من شعائره.

قال الله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 66] عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنه- قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء ! فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق ! لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول : ( يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ! ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [أخرجه ابن أبي حاتم كما في صحيح أسباب النزول للوادعي (ص77)، وابن جرير(10/119)]

فقد دلت هذه الآية مع هذا الخبر على أن الاستهزاء بالمتمسك باالكتاب والسنة نظرا لما تمسك به كإعفاء اللحية وتحجب المسلمة, أنه كفر إذا صدر من مكلف, وينبغي أن يبين له أن هذا كفر فإن أصر بعد العلم فهو كافر, لقوله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} وينبغي أن يفرق بين من يسخر بأهل الصلاح ومظاهرهم الثابتة بالسنة لأجل ماهم عليه من الإستقامة وبين من يسخر بأشخاصهم مع قطع النظر عن تلك السنن التي امثلوها فهذا لايكفر ولكنه على خطر عظيم.

وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله-:

عن الحكم فيمن يسخر بالملتزمين بدين الله ويستهزئ بهم ؟ فأجاب بقوله:-

 هؤلاء الذين يسخرون بالملتزمين بدين الله المنفذين لأوامر الله، فيهم نوع نفاق لأن الله قال عن المنافقين : {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}[التوبة 79] . ثم إن كانوا يستهزئون بهم من أجل ما هم عليه من الشرع فإن استهزاءهم بهم استهزاء بالشريعة، والاستهزاء بالشريعة كفر، أما إذا كانوا يستهزئون بهم يعنون أشخاصهم وزيهم بقطع النظر عما هم عليه من اتباع السنة فإنهم لا يكفرون بذلك؛ لأن الإنسان قد يستهزئ بالشخص نفسه بقطع النظر عن عمله وفعله، لكنهم على خطر عظيم، والواجب تشجيع من التزم بشريعة الله ومعونته، وتوجيهه إذا كان على نوع من الخطأ حتى يستقيم على الأمر المطلوب.

ولا يجوز لمن حضر مجالس هؤلاء أن يقعد معهم؛ لأن الجلوس من دون إنكار فيه رضا بما يقال كما قال - عز وجل -: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً}.[النساء: 140]

ولقوله –تعالى- في الآية السابقة: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين). قال بعض أهل العلم: هؤلاء حضروا وصار عندهم كراهية لهذا الشيء، لكنهم داهنوا فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليه، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهة، ولهذا عفا الله عنهم وهداهم إلى الإيمان وتابوا.

فنسأل الله الهداية لهم وأن يردهم إلى جادة الصواب، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 



التعليقات ( 0 )