• ×

وليد المرزوقي

من بدع رجب

وليد المرزوقي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
فينزع كثير من المسلمين إلى تخصيص بعض الأزمان بعبادات وقرب لم يدل الدليل على اعتبارها، ومن هذه الأزمان التي حمِّلت من أعمال البر ما لم يحمِّلها الشرع (شهر رجب).
ولعلي أعرض في هذه الحلقة إلى بعض البدع التي تشيع في بعض الأوساط الإسلامية مبيِّناً وجه كونها بدعة، مع اختصار غير مخل -إن شاء الله-.
وقبل أن أورد بعض البدع أشير إلى قاعدة مهمة في هذا الباب وهي: أن الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل الإذن في فعلها، وسوءاً في ذلك أصلها أو وصفها، وقد دل على ذلك أدلة منها:-
1. قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله}
يقول الطبري: يقول تعالى : ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه
2. عن عائشة –رضي الله عنها- قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد}. [ أخرجه البخاري:2550 ومسلم: 1718 ]
3. عن جابر بن عبدالله –رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبيته: {أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة}[أخرجه مسلم 12/16 النووي]
فهذه الأدلة وغيرها، دالة على تحريم إحداث أي عبادة لم يرد عن الشرع اعتبارها.
وكذلك فقد أجمع السلف الصلح على أن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية من البدع المحدثة التي نهى عنها صلى الله عليه وسلم.
قال أبو شامة : (( ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع ، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل ، إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة ، فإن كان ذلك ، اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها ، كصوم يوم عرفة وعاشوراء، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها ، كان له الفضل على نظيره في زمن آخر)) .
فالحاصل : أن المكلف ليس له منصب التخصيص ، بل ذلك إلى الشارع ا.هـ . – والله أعلم - . [يراجع : الباعث ص(48) ].
 
 ومما ابتدع في هذا الشهر ما يلي:-
1. تخصيص رجب بالصيام أو القيام:-
وقد وردت في ذلك آثار لكنها ضعيفة أو موضوعة.
قال ابن حجر : لم يرد في فضل شهر رجب ، ولا في صيامه ، ولا في صيام شيء منه معين ، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة ، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه من غيره ا.هـ . [يراجع : تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص(6)]
2. صلاة الرغائب:-
وتكون في ليلة أول جمعة من رجب بين صلاة المغرب والعشاء يسبقها صيام الخميس الذي هو أول خميس في رجب .
وصفتها: أن يصوم يوم الخميس ، أول خميس في رجب ، ثم يصلي فيما بين المغرب والعشاء، يعني ليلة الجمعة ، ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثلاث مرات و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} اثنتي عشرة مرة يفصل بين كل ركعتين بتسليمه ، فإذا فرغ من صلاته صلى على النبي صلى الله عليه وسلم سبعين مرة، ثم يقول : اللهم صلى على محمد النبي الأمي وعلى آله ، ثم يسجد فيقول في سجوده : سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة ، ثم يرفع رأسه فيقول : رب اغفر لي وارحم وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت العزيز الأعظم ، سبعين مرة ، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى ، ثم يسأل الله تعالى حاجته فإنها تقضى .
قال ابن الجوزي : (ولقد أبدع من وضعها، فإنه يحتاج من يصليها أن يصوم وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام ولم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف فيها، ويقع ذلك التسبيح الطويل، والسجود الطويل، فيتأذى غاية الإيذاء وإني لأغار لرمضان ، والصلاة التراويح كيف زوحم بهذه؟! بل هذه عند العوام أعظم وأجل، فإنه يحضرها من لا يحضر الجماعات).ا.هـ [يراجع : الموضوعات لابن الجوزي (2/125- 126) .]
فلا شك في بدعية صلاة الرغائب، لاسيما أنها أحدثت بعد القرون المفضلة، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا تابع التابعين، ولا السلف الصالح – رحمهم الله- وكانوا على الخير أحرص ممن جاء بعدهم.
3. بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج :
الاحتفال بالإسراء والمعراج من الأمور البدعية، التي نسبها الجهال إلى الشرع وجعلوا ذلك سنة تقام في كل سنة، وذلك في ليلة سبع وعشرين من رجب ، وتفننوا في ذلك بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروباً كثيرة، كالاجتماع في المساجد ،وإيقاد الشموع والمصابيح فيها ، وعلى المنارات والإسراف في ذلك واجتماعهم للذكر والقراءة ، وتلاوة قصة المعراج المنسوبة إلى ابن عباس ، والتي كلها أباطيل وأضاليل ، فالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بدعة محدثة لم يفعلها الصحابة والتابعون ، ومن تبعهم من السلف الصالح، وهم أحرص الناس على الخير والعمل الصالح.
 قال ابن قيم الجوزية : (( قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : ولا يعرف عن أحد من المسلمين أن جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها ، لاسيما على ليلة القدر ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها ، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت )) .
هذا ما تيسر جمعه ونقله، وقد اعتمدت في جميع ما تقدم على رسالة الشيخ: عبدالله بن عبدالعزيز التويجري الموسومة بـ: البدع الحولية - جزاه الله خيرا- إلا أني تصرفت في بعض ما يقتضيه المقام.
اللهم أرشدنا لطاعتك، وجنبنا معاصيك، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 


التعليقات ( 0 )