د. تميم القاضي

الفصل الثالث: مذهب الأشاعرة في الحكمة والتعليل.

د. تميم القاضي

 0  0  4.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وبعد:
هذا المقال تتمة للمقالات السابقة
المبحث الأول: قول الأشاعرة في الحكمة والتعليل.
سبق بيان مذهب الأشاعرة في الحكمة والتعليل وهو نفي الحكمة والتعليل عن أفعال الله ومخلوقاته وأوامره، وأنه يفعل ويأمر ويخلق لمحض المشيئة
قال الإيجي[1]: (المقصد الثامن:في أن أفعاله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهبت الأشاعرة، وقالوا:لا يجوز تعليل غراضه تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية، ووافقهم على ذلك جهابذة الحكماء وطوائف الإلهيين)[2]
وقال الآمدي[3] في غاية المرام:(مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم يكن لغرض قاده ليه، ولا لمقصد أوجب الفعل عليه)[4]
وقال الرازي في الأربعين في أصول الدين:(المسألة السادسة والعشرون:في أنه لا يجوز أن تكون أفعاله تعالى معللة بعلة البتة)[5]
فاتضح نفي الأشاعرة للتعليل في أفعال الله بالحكم والمصالح والأغراض والغايات.
أما نفيهم للغرض والعلة فهم يطلقون ذلك في كتبهم بدون استثناء.
أما الحكمة فإنهم لا ينفونها، إنما ينفون أن تتوقف أفعاله على الحكم، بل الحكم مترتبة على أفعاله، وحاصلة عقيبها أي ليست هذه الحكم مقصودة ومطلوبة بالفعل، كما يراه المعتزلة ومن وافقهم[6]
وهذا القول يقول به-كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(كثير ممن يثبت القدر وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم، وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من نفاة القياس كابن حزم ومثاله)[7]
وهنا سنذكر إن شاء الله أهم شبههم والجواب عليها والأقوال التي لزمتهم والتزموها كنتيجة لهذا القول.
المبحث الثاني:شبهاتهم في نفي الحكمة والتعليل والجواب عنها.
1-الشبهة الأولى:
أن القول بالحكمة والتعليل يستلزم التسلسل، فإنه إذا فعل لعلة، فتلك العلة أيضا حادثة فتفتقر إلى علة، وهكذا إلى غير نهاية، وهو باطل.
ويقال في بيانه:أنه لو كان فعله تعالى معللا بعلة، فهذه العلة إما أن تكون قديمة، فيلزم من قدمها قدم الفعل، لأن العلة التامة يجب أن يكون معها معلولها في الزمان، وهذا خلاف ما قام عليه الدليل من أن كل ما سوى الله تعالى حادث.
وإن كانت هذه العلة حادثة، فإن حدثت لا لسبب لزم ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح، وهو محال.
وإن حدثت لسبب حادث، نقلنا الكلام إلى ذلك السبب الحادث، فإن حدث لا لعلة لزم الترجيح بلا مرجح، وإن حدث لعلة فتلك العلة لا بد لها من علة أخرى ، وهكذا، فيلزم التسلسل.
الجواب عن الشبهة الأولى:
1-أجاب شيخ الإسلام عليهم بأن يقال لهم في الحكمة ما يقولونه هم في الفعل، وذلك بأن يقال لهم:(لا يخلوا إما أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع، أو لا يمكن ذلك، فإن جاز أن يكون قديم العين أو قديم النوع، جاز في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون قديمة العين، أو قديمة النوع)[8] والذين يقولون بأن الفعل قديم العين هم الفلاسفة، وهم نفاة للحكمة كالأشاعرة، فيلزمهم هذا الإلزام، ومن قال:قدم العين أو النوع ممتنع في العقل قيل:وكذلك الحكمة يمتنع تسلسلها، قال شيخ الإسلام في نفس الموضع:(وإن لم يمكن أن يكون الفعل لا قديم العين ولا قديم النوع، كانت حكمته كذلك))
2- كذلك مما يجاب به على قولهم بلزوم التسلسل على من أثبت الحكمة أن يقال:( معلوم أن المفعول لأجله هو مرادٌ محبوبٌ للفاعل، والمراد المحبوب إما أن يكون محبوبا لنفسه، وإما أن يكون محبوبا لغيره، والمحبوب لغيره إنما يكون محبوبا لأن ذلك الغير محبوب، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى محبوب لنفسه.
وحينئذ فمعنى كونه يفعل الفعل لحكمة أنه يفعل مرادا لمراد آخر يحبه، فإذا كان الثاني محبوبا لنفسه لم يجب أن يكون الأول كذلك، ولا يجب في هذا تسلسل، ولا يلزم إذا كان المراد الأول مرادا لغيره أن يكون الثاني مرادا لغيره)[9]
3-( كما أنه خلق شيئا بسبب وخلق السبب بأسباب أخرى، حتى ينتهي إلى أسباب لا أسباب فوقها، فكذلك خلق لحكمة، والحكمة لحكمة، حتى ينتهي إلى حكمة لا حكمة فوقها.)[10]
4-(أن يقال:هب أن هذا الأمر يستلزم التسلسل، لكنه يستلزم التسلسل في الحوادث المستقبلية، فإن الحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده، فإذا كان بعدها حكمة أخرى لزم حوادث لا آخر لها في المستقبل، وهذا جائز باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها، ولم يخالف في ذلك إلا الجهم[11] وأبو هذيل).[12]
(فإن قيل: فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا
قيل: بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائما، وهذا أمر معقول في الشاهد، فإن الواحد من الناس يفعل الشيء لحكمة يحصل بها محبوبه، ثم يلزم من حصول محبوبه محبوب آخر يفعل لأجله، وهلم جرا ،حتى لو تصور دوامه أبدا لكانت هذه حاله وكماله، فلم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شيء، وهذا هو الكمال الذي يريده مع غناه التام الكامل عن كل ما سواه وفقر ما سواه إليه من جميع الوجوه وهل الكمال إلا ذلك وفواته هو النقص)[13]
5-(أن التسلسل إما أن يكون ممكنا، أو لمتعنا، فإن كان ممكنا بطل إستدلالكم، وإن كان ممتنعا أمكن أن يقال في دفعه: تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه لا لغيره وينقطع التسلسل)[14]
6-وكذلك يجاب عنهم بالإلزام بأن يقال لهم في الإرادة ما قالوه هم في الحكمة:( يقال: ما المانع أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة؟ قولكم:( يلزم من قدمها قدم المعلول) ينتقص عليكم بالإرادة، فأنها قديمة ولم يلزم من قدمها قدم المراد، فإن قلتم: الإرادة القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه واقتضت الحاجة حينئذ، فهلا قلتم: إن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه، كما قلتم في الإرادة.
فإذا قلتم: شأن الإدارة التخصيص، قيل لكم: وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته، فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة، فإن لزم من قدم الحكمة قدم الفعل لزم من قدم الإرادة قدمه وإن لم يلزم ذلك لم يلزم هذا)[15]
2/الشبهة الثانية:
أن كل من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، كان ناقصا بذاته مستكملا بذلك الفعل، وذلك محال في حق الله تعالى.
فيقولون:إن الله(لو خلق الخلق لعلة كان ناقصا بدونها، مستكملا بها، فإنه إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء، أو يكون وجودها أولى به، فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها، وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به، فيكون مستكملا بها فيكون قبلها نقصا)[16]
قال الرازي في ذكر هذه الشبهة التي احتج بها:(كل من فعل فعلا لأجل تحصيل منفعة أو لدفع مفسدة، فإن كان تحصيل تلك المنفعة أولى من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل تلك الأولوية، وكل من كان كذلك كان ناقصا بذاته، مستكملا بغيره ، وهو في حق الله محال، وإن كان تحصيلها له وعدم تحصيلها بالنسبة إليه سيان، فمع الاستواء لا يحصل الرجحان فامتنع الترجيح)[17] )
الجواب عن الشبهة الثانية: وهو من وجوه:
أحدها : أن هذا منقوض بنفس ما يفعله من المفعولات، فما كان جوابا في المفعولات كان جوابا عن هذا ونحن لا نعقل في الشاهد فاعلا إلا مستكملا بفعله. [18]
وتفصيل ذلك بأن يقال:قولكم:ننفي الحكمة لأنه يلزم من إثباتنا لها أن يكون قد حصل له كمال كان فاقدا له، فيكون في حالة عدم حصوله (قبل حصوله) متصفا بالنقص، وذلك باطل، فلزم نفي الحكمة.
نقول لكم:نحن وأنتم نسلم بأن الله قد أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدثا لها، فهذا الإحداث هل هو صفة كمال أو نقص، إن قلتم نقص فبطلانه ظاهر، وإن قلتم كمال، فيقال لكم كما قلتم في الحكمة، بأن يقال: يلزم من هذا أن يكون قبل إحداثه لها فاقداً لكمال استكمله بإحداث تلك المحدثات، وهذا باطل.فبطل تعليلكم بأنه يلزم من إثبات الحكمة أن يكون قبلها فاقدا لكمال.
وإن قلتم:إن إحداث المحدثات ليس بكمال ولا نقص، فيقال:هذا مخالف لقول جمهور المسلمين، عدا أتباع الأشعري، أو أكثرهم، ثم يقال:إن الله قد ذم من قال بهذا الأمر(أن إحداث المحدثات وخلق المخلوقات ليس بكمال ولا نقص) فقال : {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (17) سورة النحل. ويعلم بصريح العقل أنه من يخلق أكمل ممن لا يخلق.وتفضيل من يخلق على من لا يخلق أمر فطري ضروري,-ويقال أيضا:إذا قلتم : إحداث المحدثات ليس بكمال ولا نقص، مع ذلك أثبتم أنه يحدثها، فلم لا يجوز أنه يفعله لحكمة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء.[19]
الثانى: أنهم قالوا :كما له أن يكون لا يزال قادرا على الفعل بحكمة فلو قدر كونه غير قادر على ذلك لكان ناقصا.
الثالث: قول القائل:( أنه مستكمل بغيره )باطل، فإن ذلك إنما حصل بقدرته ومشيئته، لا شريك له في ذلك، فلم يكن في ذلك محتاجا إلى غيره، وإذا قيل: كمل بفعله الذي لا يحتاج فيه إلى غيره، كان كما لو قيل: كمل بصفاته أو كمل بذاته.
الرابع :قول القائل:( كان قبل ذلك ناقصا) إن أراد به عدم ما تجدد، فلا نسلم أن عدمه قبل الوقت الذي اقتضت الحكمة وجوده فيه يكون نقصا، وإن أراد بكونه ناقصا معنى غير ذلك فهو ممنوع، بل يقال :عدم الشيء في الوقت الذى لم تقتض الحكمة وجوده فيه من الكمال، كما أن وجوده في وقت اقتضاء الحكمة وجوده فيه كمال، فليس عدم كل شيء نقصا، بل عدم ما يصلح وجوده هو النقص، كما أن وجود مالا يصلح وجوده نقص، فتبين أن وجود هذه الأمور حين اقتضت الحكمة عدمها هو النقص، لا أن عدمها هو النقص، ولهذا كان الرب تعالى موصوفا بالصفات الثبوتية المتضمنة لكماله، وموصوفا بالصفات السلبية المستلزمة لكماله أيضا، فكان عدم ما ينفي عنه هو من الكمال، كما أن وجود ما يستحق ثبوته من الكمال، وإذا عقل مثل هذا في الصفات فكذلك في الأفعال ونحوها، وليس كل زيادة يقدرها الذهن من الكمال، بل كثير من الزيادات تكون نقصا في كمال المزيد، كما يعقل مثل ذلك في كثير من الموجودات، والإنسان قد يكون وجود أشياء في حقه في وقت نقصا وعيبا، وفي وقت آخر كمالا ومدحا في حقه، كما يكون في وقت مضرة له وفي وقت منفعة له .
الخامس : أنا إذا قدرنا من يقدر على إحداث الحوداث لحكمة ومن لا يقدر على ذلك كان معلوما ببديهة العقل أن القادر على ذلك أكمل، مع أن الحوادث لا يمكن وجودها إلا حوادث لا تكون قديمة، وإذا كانت القدرة على ذلك أكمل وهذا المقدور لا يكون إلا حادثا، كان وجوده هو الكمال، وعدمه قبل ذلك من تمام الكمال، إذ عدم الممتنع الذي هو شرط في وجود الكمال من الكمال)[20]
السادس:(أن العقل الصريح يعلم أن من فعل فعلا لا لحكمة، فهو أولى بالنقص ممن فعل لحكمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة في الوقت الذي أحب كونها فيه، فكيف يجوز أن يقال:فعله لحكمة يستلزم النقص وفعله لا لحكمة لا نقص فيه)[21]
السابع: أن فعل الحي العالم الاختاري لا لغاية ولا لغرض يدعوه إلى فعله لا يعقل، بل هو من الممتنعات ،لهذا لا يصدر إلا من مجنون أو نائم أو زائل العقل، فإن الحكمة والعلة الغائية هي التي تجعل المريد مريدا، فإنه إذا علم بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انبعثت إرادته إليه، فإذا لم يعلم في الفعل مصلحة، ولا كان له فيه غرض صحيح، ولا داع يدعوه إليه، فلا يقع منه إلا على سبيل العبث، هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه، وحينئذ فنفي الحكمة والعلة والغاية عن فعل أحكم الحاكمين نفي لفعله الاختياري في الحقيقة وذلك أنقص النقص[22]
وبهذا تبين أنه((ما من محذور يلزم بتجويز أن يفعل لحكمة إلا والمحاذير التي تلزم بكونه يفعل لا لحكمة أعظم وأعظم، وحينئذ فإن كان هذا ممتنعا فالفعل لا لحكمة أعظم امتناعا، وإن كان غير ممتنع صح الفعل لحكمة، مع أن الفعل لحكمة أعظم من الفعل لا لحكمة، فعلم أن ما يستدل به على امتناع فعله لحكمة فهو حجة باطلة، وأن الفعل بحكمة أولى بكونه صفة كمال، وأصح في الأدلة العقلية والنقلية، وأبعد عن التناقض سمعا وعقلا، هذه لو كان الفعل لا لحكمة ممكنا، فكيف إذا كان ممتنعا)[23]
الشبهة الثالثة:
قال الرازي(جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن والغم، والله سبحانه قادر على تحصيل هذين المطلوبين ابتداء من غير شئ من الوسائط، ومن كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء بغير واسطة كان توسله إلى تحصيله بالوسائط عبثا، وهو على الله محال، فثبت أنه لا يمكن تعليل أحكامه وأفعاله بشيء من العلل والأغراض).[24]
الأجوبة عن الشبهة الثالثة:
1-الجواب الأول: أن يقال: لا ريب إن الله على كل شئ قدير، لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا أن تكون الحكمة المطلوبة لوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه، فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، كما يمتنع حصول الابن بكونه ابنا بدون الأب، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، والجمع بين الضدين محال، ولا يقال :فيلزم العجز ،لأن المحال ليس بشيء ،فلا تتعلق به القدرة، والله على كل شئ قدير، فلا يخرج ممكن عن قدرته البتة .
2-الجواب الثاني: أن دعوى كون توسط أحد الأمرين إذا كان شرطا أو سببا له عبث دعوى كاذبة باطلة، فإن العبث هو الذي لا فائدة فيه، وأما توسط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث فيها ما يحدثه فليس بعبث .
3- الجواب الثالث: أن حصول الأعراض والصفات التي يحدثها الله سبحانه في موادها شروط لحصول تلك المواد، ولا يتصور وجودها بدونها، فتوسطها أمر ضروري لا بد منه، فينقلب عليكم دليلكم ونقول: هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث بدون توسط موادها الحاملة لها أولا يمكن، فإن قلتم: يمكن ذلك؛ كان توسطها عبثا ،وإن قلتم لا يقدر كان تعجيزا، فإن قلتم هذا فرض مستحيل والمحال ليس بشيء، قيل صدقتم وهذا جوابنا بعينه فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه،فلا يكون توسطه عبثا.
4-الجواب الرابع: أن يقال: إذا كان في خلق تلك الوسائط حكم أخرى تحصل بخلقها للفاعل وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط لم يكن توسطها عبثا، ولم تكن الحكمة حاصلة بعدمها، كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في التجارات مثلا فاقتضى ذلك أن يجلبوا البضائع إلى من يحتاج إليها، فينتفع هؤلاء بالبضائع ،وهؤلاء بالثمن كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء، وإذا تأملت الوجود رأيته قائما بذلك، شاهدا على منكري الحكمة، فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حكم ومصالح ومنافع للعباد لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحكم والمصالح .
5- الجواب الخامس: قولك يلزم العبث وهو على الله محال، فيقال: إن كان العبث عليه محالا لزم أن لا يفعل ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة ،فبطل قولك بقولك، وإن لم يكن العبث عليه محالا بطلت هذه الحجة، فيتحقق بطلانها على التقديرين.
6-أن غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرا على تحصيل تلك الحكم بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها ،وإذا كان الأمران مقدورين له، لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر عبثا إلا إذا كان المقدور الآخر مساويا لهذا من كل وجه، ولا يمكن عاقلا أن يقول أن تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساو من كل وجه لوجودها، وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل، وهو يتضمن القدح في الحس والعقل والشرع كما هو قدح في الحكمة ،فإن من جعل وجود الرسل وعدمهم سواء ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء، ووجود هذه الوسائط جميعها وعدمها سواء فلم يدع للمكابرة موضعها
7- قولك: جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: اللذة ودفع الهم والحزن. أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها الحيوان؟ أو الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها؟ أم تريد به ما هو أعم من ذلك؟
فإن أردت الأول[أنه الغرض الذي يفعل لأجله الحيوان] لم تفدك شيئا.
وإن أردت الثاني أو الثالث[أنه الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها، أو ما هو أعم من ذلك] كانت دعوى مجردة لا برهان عليها، فإن حكمة الرب تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الغم والحزن، فإنه يتعالى عن ذلك، بل ليس كمثل حكمته شيء، كما أنه موصوف بالإرادة وليست كإرادة الحيوان، فإن الحيوان يريد ما يرده ليجلب له منفعة ،أو يدفع به عنه مضرة، وكذلك غضبه ليس مشابها لغضب خلقه ،فإن غضب المخلوق هو غليان دم قلبه طلبا للانتقام، والله يتعالى عن ذلك، وكذلك سائر صفاته، فكما أنه ليس كمثله شيء في إرادته ورضاه وغضبه ورحمته وسائر صفاته فهكذا حكمته سبحانه لا تماثل حكمة المخلوقين بل هي أجل وأعلى من أن يقال أنها تحصيل لذة أو دفع حزن، فالمخلوق لنقصه يحتاج أن يفعل ذلك، لأن مصالحه لا تتم إلا به، والله سبحانه غني بذاته عن كل ما سواه، لا يستفيد من خلقه كمالا ،بل خلقه يستفيدون كمالهم منه.
8- أن يقال قد دل الوحي مع العقل على أنه سبحانه يحب ويبغض، أما الوحي فالقرآن مملوء من ذلك، وأما العقل فما نشاهد في العالم من إكرام أوليائه وأهل طاعته، وإهانة أعدائه وأهل معصيته شاهد لمحبته لهؤلاء ورضاه عنهم وبغضه لهؤلاء وسخطه عليهم، ومعلوم قطعا أن من يحب ويبغض أكمل محبة وبغض وهو قادر على تحصيل محابه فإن حكمته فيما يفعله ويتركه أتم حكمة وأكملها، فهو يفعل ما يفعله لأنه يوصل إلى محابه، ويترك ما يتركه لأنه لا يحبه، وإذا فعل ما يكرهه لم يفعله إلا لإفضائه إلى ما يحب، وإن كان مكروها في نفسه، فإن أردت باللذة والسرور والهم والحزن الحب والبغض فالرب تعالى يحب ويبغض ولا يطلق عليه لذة ولا غم ولا حزن، تعالى الله عن ذلك، وإن أردت حقائق تلك الألفاظ، لم يلزم من كونه يفعل لحكمة أن يتصف بذلك .
9- أنه سبحانه إذا كان قادرا على تحصيل ذلك بدون الوسائط، وهو قادر على تحصيله بها، كان فعل النوعين أكمل وأبلغ في القدرة وأعظم في ملكه وربوبيته من كونه لا يفعل إلا بأحد النوعين، والرب تعالى تتنوع أفعاله لكمال قدرته وحكمته وربوبيته، فهو سبحانه قادر على تحصيل تلك الحكمة بواسطة أحداث مخلوق منفصل وبدون إحداثه، بل بما يقوم به من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لنفسه، فمحبوبه يحصل بهذا وهذا ، وذلك أكمل ممن لا يحصل محبوبه إلا بأحد النوعين.
10-أن الرب سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله، فلا بد من ظهور آثارها في العالم، فإنه محسن، ويستحيل وجود الإحسان بدون من يحسن، إليه وزراق ،فلا بد من وجود من يرزقه، وغفار وحليم وجواد ولطيف بعباده ومنان ووهاب وقابض وباسط وخافض ورافع ومعز ومذل، وهذه الأسماء تقتضي متعلقات تتعلق بها، وآثارها تتحقق بها، فلم يكن بد من وجود متعلقاتها، وإلا تعطلت تلك الأوصاف وبطلت تلك الأسماء ، فتوسط تلك الآثار لا بد منه في تحقق معاني تلك الأسماء والصفات، فكيف يقال أنه عبث لا فائدة فيه[25]
الشبهة الرابعة.
وذلك في قول الله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [سورة الأنبياء] فقالوا: إن الله لا يسأل عما يفعله لقهره وسلطانه، وأنه رد الأمر إلى محض مشيئته.
الجواب عن الشبهة الرابعة:
أن هذه الآية إنما وردت في سياق إثبات عزة الله تعالى، وهي كلمة إجماع بين المسلمين، والله أعز من أن يسأل، وليس ذلك يقتضي أنه غير حكيم، فقد تمدح بالحكمة كما تمدح بالعزة.[26]
بل إن ابن القيم رحمه الله قد قلب هذا الدليل عليهم وجعله دليلا على إثبات الحكمة فقال رحمه الله في مختصر الصواعق:(ولم تكن الآية مسوقة لبيان أنه لا يفعل لحكمة ولا لغاية محمودة مطلوبة بالفعل، وأنه يفعل ما يفعله بلا حكمة ولا سبب ولاغاية، بل الآية دلت على نقيض ذلك، وأنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده، وأن أفعاله صادرة عن تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، فكمال علمه وحكمته وربوبيته ينافي اعتراض المعترضين عليه، وسؤآل السائلين له)[27]
وقال كذلك:( قوله أنه سبحانه رد الأمر إلى محض مشيئة بقوله : {يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [ سورة العنكبوت]- وقوله { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء } [ سورة البقرة] -وقوله { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء } (8) سورة فاطر-وقوله {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [ سورة الأنبياء]
فهذا كله حق، ولكن أين فيه إبطال حكمته وحمده والغايات المحمودة المطلوبة بفعله وأنه لا يفعل شيئا لشيء ولا يأمر بشيء لأجل شيء ولا سبب لفعله ولا غاية، افترى أصحاب الحكمة والتعليل يقولون أنه لا يفعل بمشيئة، أو أنه يُسأل عما يفعل، بل يقولون أنه يفعل بمشيئته مقارنا للحكمة والمصلحة ووضع الأشياء مواضعها، وأنه يفعل ما يشاء بأسباب وحكم ولغايات مطلوبة وعواقب حميدة، فهم مثبتون لملكه وحمده، وغيرهم يثبت ملكا بلا حمد، أو نوعا من الحمد ومع هضم الملك، إذ الرب تعالى له كمال الملك وكمال الحمد، فكونه يفعل ما يشاء لا يمنع من أن يشاء بأسباب وحكم وغايات وأنه لا يشاء إلا ذلك. وأما قوله {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [ سورة الأنبياء] فهذا لكمال علمه وحكمته لا لعدم ذلك، وأيضا فسياق الآية في معنى آخر، وهو إبطال إلهية من سواه وإثبات الألوهية له، وحده فإنه سبحانه قال{ أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون* لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون* لا يسئل عما يفعل وهم يسألون} الأنبياءْ(21-23)، فأين في هذا ما يدل على إبطال التعليل بوجه من الوجوه ،ولكن أهل الباطل يتعلقون بألفاظ نزلوها على باطلهم لا تنزل عليه وبمعان متشابهة يشتبه فيها الحق بالباطل، فعمدتهم المتشابهة من الألفاظ والمعاني، فإذا فصلت وبينت يتبين أنها لا دلالة فيها وأنها مع ذلك قد تدل على نقيض مطلوبهم)[28]
ولعلنا نكتفي بما سبق من الشبة وجوابها، ولكن قبل النهاية نقول:إن ما سبق من الردود إنما هي ردود تفصيلية على شبههم، وهي نافعة ولا شك، إلا أن عندنا ردود إجمالية صالحة لرد كل بدعة قولية أو عملية فنقول:
-لا شك أن إنكار الأشاعرة لهذه الصفة وغيرها من الصفات هو أثر ونتيجة لقانونهم الذي أسسوه وقعدوه ونافحوا عنه، ألا وهو تقديم العقل والنقل عند التعارض، فهم قد فرضوا الخلاف أولا، ثم قدموا العقل ثانيا، وكلا الأمرين باطلين، فلا تعارض أصلا، بل ما يتوهم من التعارض فهو إما لضعف النقل-وهذا غير وارد في مسألتنا لأن أدلة الحكمة متواترة صريحة-أو لفساد في العقل، من مثل شبهات الأشاعرة التي أوردناها في هذا المبحث، ثم لو فرض التعارض فإننا نقدم النقل قطعا، لأننا أمرنا عند التنازع أن نرد إلى الله ورسوله، لا إلى العقل، وعلى كل فهذه إشارات عابرة في مسألة قد استوعب بحثها شيخ الإسلام ابن تيمية في عشر مجلدات وذلك في سفره العظيم (درء تعارض العقل والنقل).وأجاب عن مقالاتهم بما يشفي صدور قوم مؤمنين، ولكننا نقول لهم-تنزلا بعد تنزل-هب أننا سلمنا لكم بالتعارض، وسلمنا أنه عند التعارض فإننا نقدم العقل، فيا ترى ما العقل الذي نقدمه على النقل:أهو العقل المختص بشخص بعينه أو لطائفة بعينها ، أم هو العقل العام الذي يتفق عليه كل الناس قاطبة دون خلاف، فالأول يمتنع القول به، لأنه ليس عقل طائفة أو شخص أولى من غيره، بل هذا ممتنع بالعقل إذ يلزم منه التناقض قطعا، وإن قلتم بالثاني فنسلم لكم-تنزلا-به، ولكن هاتوا مسألة واحدة أجمع العقلاء عليها وعارضت النقل الصحيح-وهيهات أن تأتوا بها، فدون ذلك خرط القتاد. ومسألتنا هذه نموذج لهذا الكلام، فالحكمة هل أجمع العقلاء على نفيها، كلا، بل حتى من أهل الكلام من المعتزلة من أثبتها-وإن كان إثباتا بدعيا إلا أنه أثبتها، وحتى بعض الأشعرية والماتوريدية والكرامية والشيعة من أثبتها[29] فضلا عن خلاف أهل السنة والأثر، فيا ترى، هل نترك كل هذا ونأخذ بما أوحته إليكم عقولكم الفاسده، لا بل ما أوحاه أبو مرة إليكم ؟ )
-ونقول أيضا: لو سلمنا بما ذكرتم من الشبه العقلية، فإن هذه الشبه ليست من الأمور المحكمة بل من المشتبهات، وأما ما ورد في إثبات الحكمة من نصوص فقد بلغت الآلآف كما سبق، والله سبحانه وتعالى قد ذم الذين يتبعون المتشابه ويتركون المحكم فقال: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [ سورة آل عمران] فتبين أنه يجب عليكم رد المتشابه من الأمور إلى المحكم، وهذه المسألة نافعة جدا لمن قد تطرأ عليه شبهة من شبه القوم أو من جنسها، فلا يصح-شرعا ولا عقلا-أن يدع ما ثبت بالأدلة المتواترة إلى ما طرأ عليه والله المستعان.
-ومن الأجوبة العامة كذلك أن نقول:إن هذا القول مبتدع لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم من أهل القرون المفضلة، بل كلهم كانوا يقرأون القران بما فيه من وصف لله بالحكمة وأنه حكيم، ولم ينقل عن أحد منهم أنه عارض ذلك بعقله ونفي حكمة الله. بل سلموا بها وأذعنوا لما جاء فيها ، وحسبك بمن خالف هديهم ضلالا.
المبحث الرابع:أثر قول الأشاعرة في إنكارهم للحكمة.
من مساوئ البدع أنها تلجئ القائل بها إلى بدعة أخرى، وقد يلتزم بها أصحابها، فيزداد قولهم فسادا-ظلمات بعضها فوق بعض- وقد لا يلتزمون بها فيقعون في التناقض.
وإن من البدع التي وقع بها الأشاعرة –ومن قبلهم الجهمية- كأثر لقولهم بنفي الحكمة والتعليل عن أفعال الله:
1/قولهم بالجبر(إما الجبر الغالي الذي قال به الجهمية، أو المتوسط الذي قال به الأشاعرة-وسموه الكسب)، فهم يستدلون على قولهم في القدر على قولهم في التعليل، فإذا قيل لهم مثلا:كيف يكلف الله ويعذب من جبرهم على الأعمال والمعاصي-على حد زعمهم؟قالوا:إن الله يفعل ما يشاء، وأفعاله لا تعلل بالحكمة والمصلحة.[30]
2/نفي الأسباب .
قال ابن القيم رحمه الله بعدما أورد الأدلة على الحكمة التي جاء فيها ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقيب الوصف(بأن أو بالفاء أو مجردا) من مثل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [ سورة الذاريات] وقد سبق بيانه في القسم الثامن من الأدلة الشرعية للحكمة، قال:(فإن قيل:هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابا لما رتب عليها، لا تقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره، فأين هذا من هذا؟
قيل:لما جعل الرب سبحانه هذه الأوصاف عللا لهذه الأحكام، وأسبابا لها، دل ذلك على أنه يحكم بها شرعا وقدرا لأجل تلك الأوصاف، وأنه لم يحكم بها لغير علة ولا حكمة؟ ولهذا كان كل من نفي التعليل والحكم نفي الأسباب، ولم يجعل لحكم الرب الكوني والديني سببا ولا حكمة هي العلة الغائية، فهؤلاء ينفون الأسباب والحكم)[31]
المبحث الخامس: لام التعليل في القران. بين الأشاعرة وأهل السنة.
سبق أن ذكرنا في النوع الثاني من أنواع أدلة إثبات الحكمة في القران:إخبار الله أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا من مثل قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (12) سورة الطلاق.
وقد أجاب الأشاعرة عن هذه الأدلة بأن اللام للعاقبة، وليست للتعليل-تمشيا مع مذهبهم في نفي الحكمة والتعليل.
قال الشهرستان[32]ي:(وأما الآيات في مثل قوله تعالى ){ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } (22) سورة الجاثية. فهي لام المآل والصيرورة لا لام التعليل، كما قال تعالى {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا }(8) سورة القصص.))[33]
وكذلك مثلوا لها بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} (53) سورة الأنعام -وقوله:{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (53) سورة الحـج . وقوله{.. لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ...} (42) سورة الأنفال .وقوله{وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [ سورة الأنعام]
قالوا: فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه وكان عاقبة الفعل دخلت عليه لام التعليل وهي في الحقيقة لام العاقبة.
وقد أجاب ابن القيم عن قولهم هذا من وجهين، مجمل ومفصل
أما الجواب المجمل فيقال فيه:( أن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها فالأول [مثالها في حق الجاهل] كقوله {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا }[ سورة القصص].
والثاني [مثالها في حق العاجز] كقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب *** فكلكم يصير إلى ذهاب
وأما من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فيستحيل في حقه دخول هذه اللام وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة)
وأما الجواب المفصل، فذلك بأن يجاب على كل مثال ذكروه فيما ادعوا أنه لام العاقبة على حدة، وبيان أنها على بابها للتعليل فلتراجع هناك[34]
ثم يقال:إنه لا وجه لإنكار ورود تعليل أفعال الله في القران، وصرف اللام عن كونها للتعليل إلى العاقبة، وذلك لأن التعليل قد ورد بأدوات أخرى غير اللام، وردت أداة (كي) الصريحة في التعليل، و(من أجل) وغير ذلك مما يفيد التعليل كما سبق ذكره[35].

* قسم العقيدة  - كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة القصيم
[1] هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار أبو الفضل عضد الدين الإيجي، من أئمة الأشاعرة، وله تصانيف في نصرة مذهبهم، اقتفى أثر الرازي في المزج بين الفلسفة وعلم الكلام، توفي سنة(756)هـ
انظر:طبقات الشافعية(6/108)-الأعلام(3/295).
[2] المواقف للإيجي(8/202)
[3] علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي، فقيه أصولي متكلم منطقي، من تصانيفه(غاية المرام في علم الكلام)و(أبكار الأفكار في أصول الدين) توفي سنة(631)هـ
انظر:وفيات الأعيان(3/293)-شذرات الذهب(5/144).
[4] غاية المرام في علم الكلام-للآمدي(224)
[5] الأربعين في أصول الدين(249).
[6] راجع:الحكمة والتعليل في أفعال الله(63)
[7] الإرادة والأمر لابن تيمية-مجموعة الرسائل الكبرى(1/326).
[8] شرح الأصبهانية-تحقيق:د:محمد السعوي(2/364)
[9] المرجع السابق.
[10] المرجع السابق (2/365)
[11] أبو محرز الجهم بن صفوان السمرقندي، قال عنه الذهبي:(الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمن صغار التابعين، وما علمته روى شيئا، ولكنه زرع شرا عظيما)، قتله سلم بن أحوز سنة(128)هـ
انظر: ميزان الاعتدال(1/426)-الأعلام(2/141).
[12] المرجع السابق(2/365).
[13] شفاء العليل(2/588)
[14] شفاء العليل(2/592)
[15] المرجع السابق
[16] مجموع الفتاوى(8/183).
[17] الأربعين للرازي(249).وانظر:منهاج السنة(1/145)-وشرح الكوكب المنير(1/314)
[18] مجموع الفتاوى ج: 8 ص: 146
[19] انظر شرح الأصبهانية(2/361)ت:د:محمد السعوي.
[20] مجموع الفتاوى ج: 8 ص: 146
[21] شرح الأصبهاية(2/362).
[22] شفاء العليل(2/584)ط:مكتبة العبيكان.
[23] شرح الأصبهانية(2/363).
[24] الأربعين(250).
[25] شفاء العليل(2/593-598).ط:مكتبة العبيكان، وانظر:شرح الأصبهانية:(2/369-371).
[26] إيثار الحق على الخلق(231)
[27] مختصر الصواعق(1/203)
[28] شفاء العليل(2/731-732).
[29] انظر:مجموع الفتاوى(8/377)-وكتاب التوحيد، لأبي منصور الماتوريدي(215)
[30] انظر:القضاء والقدر(247-248)
[31] شفاء العليل(2/551-552)
[32] أبو الفتح محمد بن عبدالكريم بن أحمد الشهرستاني، كان فقيها، متكلما على طريقة الأشاعرة، من مصنفاته(الملل والنحل)و(نهاية الإقدام) توفي سنة(458)هـ
انظر:طبقات الشافعية(4/78)-شذرات الذهب(4/549).
[33] نهاية الإقدام في علم الكلام(402).
[34] شفاء العليل(2/539-545)
[35] راجع:الحكمة والتعليل في أفعال الله(67) وحو هذا الباب انظر: (-شرح الأصبهانية(2/375).-منهاج السنة(1/97)(1/398)-نقض التأسيس(1/199) الجواب الصحيح(4/257). موقف ابن تيمية من الأشاعرة1310)-التكليف في ضوء القضاء والقدر(82)-القضاء والقدر242


التعليقات ( 0 )