• ×

د. تميم القاضي

الفصل الثاني: مذهب المعتزلة في الحكمة.

د. تميم القاضي

 0  0  2.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
فهذا المقال تتمة للمقال السابق.
المبحث الأول: قول المعتزلة في الحكمة والتعليل
ذهبت المعتزلة إلى أن الله تعالى فعل المفعولات وخلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، ولا يجوز أن يخلوا فعل من أفعال الله من حكمة وغرض، وقالوا:(قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم،والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، ولا يصح أن يفعل فعلا جزافا لا لفائدة وغاية، بل لا بد أن يريد غرضا ويقصد صلاحا)[1]
ولكن هذه الحكمة مخلوقة منفصلة عنه، لا ترجع إليه، وذهب هؤلاء إلى وجوب تعليلها[2]
يقول عبد الجبار الهمذاني[3]:( إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حَسُن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال:إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثا، لا لوجه تقتضيه الحكمة بما لا نهاية له، وذلك –أي نقص من يفعل لا لغرض- ظاهر في الشاهد، لأن الواحد إذا أراد النيل من غيره قال عنه:إنه يفعل الأفعال لا لعلة ولا لمعنى، فيقوم هذا القول مقام أن يقول:إنه يعبث في أفعاله، وإذا به في المدح يقول:إن فلانا يفعل أفعاله لعلة صحيحة، ولمعنى حسن)[4])
المبحث الثاني: فرق مذهب المعتزلة عن مذهب أهل السنة.
ما ذكرنا عن المعتزلة من أنهم يثبتون الحكمة والتعليل، لا يعني أن مذهبهم متفق مع مذهب السلف مطلقا، ولعل من أبرز الفروق بين مذهب المعتزلة ومذهب أهل السنة:
1/أن الحكمة التي يثبتها أهل السنة تتضمن أمرين-أحدهما:حكمة تعود إليه تعالى يحبها ويرضاها الثانية:حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات، وأما المعتزلة فإنهم لا يثبتون النوع الأول من الحكمة-الذي يعود إلى الله، على وفق أصلهم من نفي الصفات عن الله، وأنه لا يقوم به فعل ولا نعت.[5]فالحكمة عند السلف صفة من صفات الله، أما عند المعتزلة فهي منفصلة مخلوقة تعود إلى العباد ولا يعود لله منها حكم.)
المبحث الثالث: أدلة المعتزلة على إثبات الحكمة والتعليل
فيما يظهر أن أدلتهم داخلة ضمن الأدلة التي أوردها السلف، فيكتفي بما تقدم منها.
المبحث الرابع: الرد علي المعتزلة في مذهبهم في الحكمة والتعليل:
أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن قول المعتزلة إن الحكمة لا يعود إلى الله تعالى منها حكم ولا قام به فعل ولا نعت، فقال:(أنتم-أيها المعتزلة-متناقضون في هذا القول، لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم، وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان، فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود، لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله، أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء، لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثا، ولم يكن محمودا على هذا.
وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث، فوقعتم في العبث، فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل).[6]
وقال كذلك:( .. والمعتزلة يثبتون تعليلا متناقضا في أصله وفرعه فيثبتون للفاعل تعليلا لا تعود إليه حكمة، ثم يزعمون أن كل واحد من العباد قد أراد به الفاعل كل ما هو صالح له أو أصلح وفعل معه ما يقدر عليه من ذلك، ويتكلمون في الآلام والتعويضات والثواب والعقاب بكلام فيه من التناقض والفضائح ما لا يحصى..)[7]
2-وأيضا فالمعتزلة قد أوجبوا على الله تعالى-بمقتضى الحكمة أمورا ومنعوا عليه أمورا لمخالفتها مقتضى الحكمة في رأيهم، ومما أوجبوا عليه فعل الصلاح والأصلح للعباد، وأوجبوا اللطف وإثابة المطيع ومعاقبة العاصي والعوض عن الآلام . فلم يوافقهم السلف على ذلك لأنه لا يجب عليه سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه، وسيأتي-إن شاء الله- الكلام على هذه المسألة.
3-أطلق المعتزلة لفظ(الغرض)بمعنى الحكمة في حق الله، وهذا لا يوافقهم عليه السلف.[8]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( وأما لفظ الغرض، فتطلقه طائفة من أهل الكلام كالقدرية، وطائفة من المثبتين للقدر أيضا يقولون: إنه يفعل لغرض، كما ذكر ذلك من يذكره من مثبتة القدر أهل التفسير والفقه وغيرهم، ولكن الغالب على الفقهاء وغيرهم من المثبتين للقدر أنهم لا يطلقون لفظ الغرض- وإن أطلقوا لفظ الحكمة- لما فيه من إيهام الظلم والحاجة فإن الناس إذا قالوا: فلان فعل هذا لغرض، وفلان له غرض مع فلان كثيرا ما يعنون بذلك المراد المذموم من ظلم وفاحشة أو غيرهما والله تعالى منزه عن أن يريد ما يكون مذموما بإرادته)[9]

* قسم العقيدة  - كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة القصيم

 

[1] نهاية الإقدام للشهرستاني(400)
[2] انظر:الإرادة والأمر:مجموعة الرسائل الكبرى(331-332).
[3] أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد أبادي، من كبار المعتزلة، وأشهرهم تصنيفا في مذهب المعتزلة في الاعتقاد، من مصنفاته (المغني في أبواب التوحيد والعدل) و(شرح الأصول الخمسة)، توفي سنة (415هـ)
انظر:ميزان الاعتدال(2/533)وشذرات الذهب(3/203).
[4] المغني في أبواب التوحيد والعدل(11/92).
[5] انظر:رسالة الإرادة والأمر-مجموعة الرسائل الكبرى(1/332)
[6] مجموعة الرسائل والمسائل-رسالة أقوم ما قيل في الحكمة والتعليل (119-120).
[7] درء التعارض ج: 8 ص: 54
[8] انظر:الحكمة والتعليل في أفعال الله(53)
[9] منهاج السنة النبوية ج: 2 ص: 314


التعليقات ( 0 )