• ×

د. تميم القاضي

(وحدة الوجود) عبر التاريخ

د. تميم القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
فلم يكن القول بالحلول أو وحدة الوجود وليد غلاة الصوفية من هذه الأمة، بل إنه مذهب قديم، منقول عن قدماء الملاحدة، من الوثنيين، والفلاسفة والصابئين، قبل عشرات القرون.
فممن قال بوحدة الوجود بعض فلاسفة اليونان المتقدمين، وممن نقله عنهم أرسطو، فقد حكى أرسطوا عن بعض الفلاسفة-وهو بارميندس- قوله: إن الوجود واحد، ورد عليه هذا القول[1]
كما أن نظرية وحدة الوجود مقاربة لنظرية الفيض، والتي قال بها أفلوطين، والتي تقول: بما أن الله واحد، والوجود واحد، فإن هذه الكائنات قد صدرت عن الواحد بفيض منه، فهما إذن واحد[2]
وممن قال أيضاً بوحدة الوجود بعض فلاسفة الهنود، من البراهمانية والبوذية وغيرهم، والبعض يجعلهم أول من قال بهذه المقالة[3]
وممن قال بمثل هذه المقالة كذلك طوائف من منحرفي أهل الكتاب من اليهود والنصارى[4]
هذا ما يتعلق بنظرية وحدة الوجود، وقريب منها في ذلك القول بالحلول، فقد قال به طوائف من الأمم السابقة، وأن كان الغالب فيما نقل عنهم هو القول بالحلول المعين لا المطلق.
فممن قال بالحلول بعض قدماء الهنود، حيث كانوا يعتقدون أن بعض آلهتهم حلَّت في إنسان اسمه (كرشنا)، وذهب البراهمة منهم إلى حلول آلهتهم-والتي هي القوى المؤثرة في الكون-في بعض الأجسام، فعبدوا تلك الأجسام لحلولها فيها، وقد قال بالحلول أيضاً ضلال النصارى بعد ما حُرِّفت ديانتهم، حيث قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، أي أن الله تعالى حلَّ في جسد المسيح عليه السلام، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً[5]
ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا البيان للطوائف والمذاهب القائلة بالحلول ووحدة الوجود عبر التاريخ لا يعني تطابق تلك الأقوال في تفاصيها، فلكل طائفة من هؤلاء فلسفته الخاصة لقوله، وأنما المقصود منه اتفاقها في نتيجة عامة، ألا وهي القول بوحدة لا يتميز فيها ما هو إلهي مما هو طبيعي، أو أن الله والأشياء شيء واحد، أو أنه يحل فيها ويتحد معها[6]

........................................................................................................................................

[1] انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/171، 465)، بغية المرتاد(182) مع الحاشية6، تنبيه الغبي للبقاعي(164)، العلم الشامخ للمقبلي(601)، تاريخ الفلسفة اليونانية، ليوسف كرم(173)، الصوفية لصابر طعيمة(215).
[2] الله توحيد وليس وحدة(85)، وانظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا(2/569)،الصوفية لصابر طعيمة(211).
[3] انظر:العلم الشامخ(601)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا(2/569)، الصوفية-لصابر طعيمة(181، 210-213)، التصوف بين الحق والخلق(49-50، 71).
[4] انظر: بغية المرتاد(492)، الصوفية-لصابر طعيمة(217).
[5] انظر:مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/91، 465)، الصوفية لصابر طعيمة(250)
[6] كتاب الوجود لمحمود أبي الفيض المنوفي(1/118) عن الصوفية لطعيمة(210).


التعليقات ( 0 )