• ×

أ.د. أحمد القاضي

(سنريهم آياتنا )

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
ففي غضون الأسبوع المنصرم شُغل الناس، ووسائل الإعلام ، في منطقة الخليج، بالحديث عن إعصار (قونو) ، وظل سكان المناطق الساحلية يترقبونه بأنفاس محبوسة، وقلوبٍ بلغت الحناجر، ليصل مندفعاً في عرض البحر بسرعةٍ تبلغ 200كم/ساعة، ثم ينسحب مخلفاً وراءه عشرات القتلى، والمفقودين، وأضراراً مادية في المنشآت والممتلكات، تقدر بالمليارات . كل ذلك في سويعات معدودة !
وكما انشغل الناس بالحديث عن إقباله، ينشغلون بالحديث عن إدباره، وتُغرق وسائل الأنباء المستمعين والمشاهدين بالأرقام والإحصاءات، كما أغرق الإعصار مساكنهم ! ولكن ، تظل الصورة المنقولة صورة سطحية، والتحليل وصفياً ، لا ينفذ إلى العمق، ولا يقع على كبد الحقيقة .
ومن منظور (العقيدة)نسجل لـ(الحياة) الحقائق التالية :
أولاً : ( إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر ) : فلا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن في هذا الكون إلا بقدر. الأحداث ليست (خبط عشواء) و لا (ضربة لازب) . ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن . ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك . قال صلى الله عليه وسلم : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ) رواه مسلم .
وتأسيساً على ذلك، فلا يجوز إسناد هذه الأحداث الكونية إلى (الطبيعة) كما يفعل بعض السذج من الإعلاميين، المتأثرين بالأدبيات الغربية الملحدة، حين يصف أحدهم مثل هذه الأعاصير، والفيضانات، والبراكين، والزلازل، بأنها (غضب الطبيعة) ! ومذهب الطبائعيين، مذهب فلسفي كفري، قديم، ومدرسته باقية ، يسند المتغيرات الكونية إلى الطبيعة (Nature) ، فلا يليق بمؤمن حنيف أن يكون رجع الصدى لهذا الإلحاد .
ثانياً : أن مشيئته،سبحانه، مقترنة بحكمته؛ فكما أنه حكيم في شرعه، فهو حكيم في قدره، موصوف بالحكمة والرحمة، منزه عن العبث، والفساد، كما قال نبيه صلى الله عليه وسلم: ( لبيك وسعديك، والخير بين يديك، والشر ليس إليك) رواه مسلم .
 ومن حكمته سبحانه في إجراء هذه الآيات الكبار ما يلي :
1- ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) الروم: 41، ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) السجدة: 21، ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) الإسراء: 59
ومن أعظم دواعي الأسى أن يحجب كثير من الناس عن تدبر هذه الحكمة النافعة، ويغيبون في معمعة مظلمة من التصورات الإلحادية المادية، التي تنزع الحدث من سياقه، وتفقده عظته وعبرته ، فلا يرعوون، ولا يستحون، بل يظلون في سكرتهم يعمهون .
2- (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) فصلت: 53. إن هذه الأقدار الكونية لتكشف عن جانب من قدرة الله الهائلة، وقوته العظيمة، وهوان الخلق عليه ! وتكشف عن عظيم حلمه على عباده؛ فهم خلقه، يعيشون في أرضه، ويأكلون من رزقه، ثم هم يعصونه ! ولو شاء لأفناهم في لمحة بصر . فكم من آيات ربوبيته، ومعاني أسمائه وصفاته، تظهر للمتأمل في هذه الأحداث، بعين البصيرة .
ثالثاً : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) إن موقف المؤمن من المصائب القدرية؛ في الأنفس، والأموال، والثمرات، الصبر، والرضا، وحسن الظن بالله، ورجاء الخلف العاجل والآجل. قال تعالى : ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) التغابن: 11، فتنقلب النقمة نعمة، والمحنة منحة ! كما في الحديث: ( لا يقضي الله على المؤمن قضاءً إلا كان خيراً له ) رواه مسلم ، ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له ) رواه مسلم .


التعليقات ( 0 )