• ×

د. تميم القاضي

مذهب المعتزلة في أسماء الله الحسنى، والرد عليهم.

د. تميم القاضي

 0  0  7.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
ذهبت المعتزلة إلى القول بإثبات الأسماء لله ونفي الصفات، وقد وافقهم على هذه البدعة الخوارج، وكثير من المرجئة، وبعض الزيدية[1].
قال ابن المرتضي المعتزلي:«فقد فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدِثاً قديما قادراً لا لِـمَعانٍ...»[2]، فهم-وإن أطلقوا القول بأن الله تعالى عالم قادر-إلا أنهم يرون أنه عالم لا بعلم، وقادر لا بقدرة، بل يُرجِعون العلم والقدرة إلى الذات، فلا يثبتون لذلك العلم والقدرة معنى غير الذات[3].
أما إثباتهم للأسماء، فلأنهم استعظموا نفيها؛ لما فيه من تكذيب القرآن تكذيباً ظاهر الخروج عن العقل والتناقض فإنه لا بد من التمييز بين الرب وغيره بالقلب واللسان، فما لا يميز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات[4].
وأما نفيهم للصفات فلشبهٍ عامة وخاصة، كشبهة التركيب، والأعراض، ودليل الكمال والنقصان، وغيرها مما سيأتي بإذن الله بيانه والرد عليه ، واكتفيت في هذا المقام بذكر الرد على قولهم بخلق الأسماء الحسنى.
بيان مسلكي المعتزلة في إثباتهم للأسماء الحسنى:
للمعتزلة في ذكر مذهبهم في الأسماء عدة مسالك، ومن أبرزها ما يلي:
1-فمنهم من يجعل الأسماء-كالعليم القدير والسميع والبصير -كالأعلام المحضة المترادفة، والعَلَم المحض هو الذي لا يدل إلا على العلمية، ولا يدل على الوصفية في شيء، كما لو سمي البليد حافظاً ونابهاً، وكما لو سمي البخيل كريماً، فجردوا أسماء الله عما تضمنته من المعاني والصفات.
2-ومنهم من يقول:إنه عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، والفرق بين هؤلاء ومن قبلهم أن هؤلاء لم يطلقوا اسم الله تعالى إلا مقروناً بالتصريح بنفي ما تضمنه الاسم من الصفة، أما الأولون فليسوا كذلك، وإن كان الجميع متفقين على نفي الصفة، وإنما الخلاف بينهم في التعبير فقط، وسيأتي تفصيل ذلك في مباحث صفات الله [5].
وهذه المقالة-في الجملة- قد أخذها المعتزلة عن قوم من متقدمي الفلاسفة والصابئة والزنادقة [6].
قال أبو الحسن الأشعري-بعد أن بين مذهب المعتزلة في الأسماء والصفات-:«وهذا قولٌ أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم، ولا قادر، ولا حيٍّ، ولا سميعٍ، ولا بصيٍر، ولا قديم، وعبروا عنه بان قالوا: نقول عين لم يزل، ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك، ولأفصحوا به غير، أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك، وقد افصح بذلك رجل يعرف بابن الأيادي، كان ينتحل قولهم، فزعم أن البارىء سبحانه عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة»[7].
بيان أوجه ضلالهم:
وعندما يقال إن المعتزلة يثبتون أسماء الله، فإن هذا لا يعني موافقتهم أهل السنة في مسألة الأسماء، بل لهم في ذلك عدة ضلالات، ومنها:
1- أنهم لم يثبتوا كل الأسماء الحسنى، فإثباتهم لها كان (في الجملة) كما عبَّر عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [8]، ذلك أن من عقائد المعتزلة عدم اعتبار أخبار الآحاد في العقائد، فهذه الأخبار لا تفيد اليقين عندهم، ومن المعلوم أن عدداً من الأسماء الحسنى إنما ثبتت بأحاديث آحاد، ، ولذا لا ترى في كتب المعتزلة الاستطراد في تعداد الأسماء الحسنى كما ترى ذلك عند أهل السنة وغيرهم كالأشاعرة والماتريدية، بل إن من المعتزلة من ينكر بعض ما ورد به القران من أسماء الله تعالى، كإنكار بعض المعتزلة اسم الله الوكيل [9]، ولهذا تفصيل ليس هذا موضعه.
2- أنهم لم يثبتوا ما تضمنته تلك الأسماء من صفات ومعاني، بل رأوا أنها أسماء جامدة، وأعلام محضة، كما تقدم.
3- ومن أعظم ضلالاتهم قولهم بأن هذه الأسماء لله مخلوقة، وأنها حادثة غير أزلية، وأن الله كان ولا اسم له في الأزل، وما زال كذلك ما لا نهاية له من الأزمان الأزلية، حتى خلق الخلق، فأحدث له الخلق تلك الأسماء، وأعاروه إياها، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
فهم لا يقرون بأسماء الله على الحقيقة، بل يجعلون كثيراً منها على المجاز [10].
4- ومن ضلالاتهم أيضاً: تجويز بعض المعتزلة إطلاق الأسماء على الله بمجرد القياس العقلي، ذلك أن معتزلة البصرة زعموا أن أسماء الله غير توقيفية، وأنها تثبت بالقياس، فإذا دلَّ العقل على أن معنى اللفظ ثابتٌ في حق الله جاز إطلاقه عليه سبحانه، وبالغ في ذلك أبو علي الجبائي، حتى سمى الله تعالى بأسماء ينزه الباري عنها، وقد وافق معتزلة البصرة على هذه البدعة: الكرامية، والباقلاني من الأشعرية.
وخالفهم المعتزلة البغداديون، حيث رأوا أنه لا يجوز أن يسمي الله عز وجل باسم قد دل العقل على صحة معناه إلا أن يسمى نفسه بذلك.
ولا شك أن قول البصريين مناقض تمام المناقضة لما أجمعت عليه المعتزلة من نفي الصفات التي تضمنتها تلك الأسماء، فإن إثبات الأسماء بالقياس والعقل إنما يكون للحظ معنى توهموه مناسباً لإضافته لله تعالى، فكيف يثبتون ذلك، ثم يعودون لينفوا كل ما تضمنته تلك الأسماء من معانٍ وصفات، ويزعموا أنها أعلام محضة مترادفة مسلوبة المعاني{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً (82)} [سورة النساء 4/82][11].
ومن العجب أن بعضهم قد استدل بقوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [سورة الأعراف 7/180]على مذهبه من أن كل اسم دل على معنى يليق بجلال الله وصفاته يصح إطلاقه على الله بلا توقيف، فقال عن الآية: إن حسن الاسم باعتبار دلالته على صفات المدح ونعوت الجلال، وكل اسم دل على هذه المعاني كان اسماً حسناً، فيجوز إطلاقه على الله تمسكا بهذه الآية [12].
والتحقيق أن هذه الآية بعينها حجة على أصحاب هذا القول، وقد استدل بها بعض العلماء على قول الجمهور القائلين بالتوقيف في أسماء الله، ذلك أن الألف واللام في قوله سبحانه{وَلِلّهِ الأَسْمَاء} هل (ال) العهد، ولا معهود ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله تعالى عليه، ومن ادعى زيادة على ذلك كلف البرهان على ما ادعى، ولا سبيل له إليه، ومن لا برهان له فهو كاذب في قوله ودعواه قال عز وجل{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111)} [سورة البقرة 2/111] [13].
كما أن الله سبحانه قد ذم في الآية نفسها من يلحد أسماءه فقال:{وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (180)} [سورة الأعراف 7/180]، ولا شك أن من الإلحاد أن يُسَمَّى الله بما لم يسم به نفسه [14]، وتسمية الله بما لم يسم به نفسه من الكذب على الله، والإلحاد المذكور في الآية قد فسره ابن عباس بأنه التكذيب [15]، وبهذا ينقلب هذا الدليل عل من قال بالقياس في أسماء الباري سبحانه.
والحاصل أن قول المعتزلة في أسماء الله-وإن كان دون قول الجهمية والفلاسفة في العظم الشناعة[16]،إلا أنه- بما تضمنه من البدع والضلالات - يقرب كثيراً من قول أولئك الغلاة[17].
بل لو تأملنا في قول المعتزلة، وما ذكروه من خلق أسماء الباري سبحانه، فإنه لا بد وأن يكون لخلقها زمناً، ففي الأزمان اللامتناهية-التي كانت قبل خلقها، والتي هي أكبر بما لا حد له من الأزمان التالية لخلقها-يُقال:ما الفرق بين قول الجهمية والفلاسفة والملاحدة الغلاة وبين قول المعتزلة فيما يتعلق بتلك الأزمان؟ الحقيقة أنه لا فرق، بل لا نظن أن أولئك الجهمية الغلاة يخالفون كثيراً في إثبات الأسماء، ولكن (على الطريقة الاعتزالية)، ولهذا كانت غالب ردود السلف في هذه المسألة-كما ستأتي- متجهةً نحو الجهمية والمعتزلة على حدٍّ سواء، فقد كانوا يطلقون لفظ التجهم على كل من نفى الصفات كالمعتزلة ونحوهم[18]، حيث إنهم اشتركوا في أصل التجهم، وإن اختلفوا في بعض تفريعاته، وكما سبق من كلام شيخ الإسلام وغيره أنهم لا يقرون بأسماء الله على الحقيقة، بل على المجاز، والمجاز من أحكامه عندهم جواز نفيه، وإذا استحضرنا أنه قد نقل عن الجهم نفسِه إثباتُ بعض الإطلاقات على الباري، كتسميته قادراً ونحو ذلك، تبين أن الفرق بين الفريقين قد لا يكون كبيراً، والله تعالى أعلم.
بيان رد السلف عليهم، وتكفيرهم لمقالتهم.
اشتد نكير السلف-منذ القرون الأولى-على القائلين بأن أسماء الله مخلوقة من المعتزلة.
روى الخلال عن الميموني أنه قال للإمام أحمد: ما تقول فيمن قال:إن أسماء الله عز وجل محدثة؟ فقال:كافر. ثم قال لي:(الله)من أسمائه، فمن قال إنها محدثة فقد زعم أن الله تبارك تعالى مخلوق.فأعظم أمرهم عنده، وجعل يكفرهم، وقرأ علي:{الله ربكم ورب آبائكم}[19].
وقال إسحاق بن راهويه:«أفضوا إلى أن قالوا: أسماء الله مخلوقة، لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض؛ لأن لله الأسماء الحسنى، فمن فرق بين الله وبين أسمائه وبين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقا كله والله خالقها فقد كفر»[20].
وقد كفر جمعٌ من الأئمة من قال إن أسماء الباري سبحانه مخلوقة، ومنهم: الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل ، واسحاق بن راهويه ، عثمان بن سعيد الدارمي، ونعيم بن حماد ، ومحمد بن اسلم الطوسي ، ومحمد بن جرير الطبري وابن خزيمة، وغيرهم[21].
ومن الحجج التي احتج بها السلف عليهم:
1-قول الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)} [سورة الحـج 22/36]
فالله تبارك وتعالى أمر أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه.
وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجيزه لأن هذه الأسمء مخلوقة وأسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة [22].
2-أنه جاء في عدد من النصوص التعويذ باسم الله وبكلماته، والاستعانة بها، وتسبيح الاسم، والرقية والاستعانة لا تكون بمخلوق، كما لا يكون التسبيح لمخلوق [23].
3-اتفاق الفقهاء على أن من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، ومن حلف بالمخلوق-كالكعبة والصفا والمروة- فلا كفارة عليه، مما دل على أن أسماء الله غير مخلوقة، فيلزم هؤلاء المعتزلة أنه لو حلف كاذباً بالله الذي لا إله إلا هو أنه لا يحنث، كما أن الشارع قد نهى عنه الحلف بغير الله، كالكعبة ونحوها، فقال ‘:((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))، وذلك أن غير الله مخلوق، ولا يجوز الحلف بالمخلوق، مما دل على أن أسماء الله غير مخلوقة.
كما يلزم المعتزلة إذا أرادوا أن يقولوا لا إله إلا الله أن يقولوا: لا إله إلا الذي خلق الله وإلا لم يصح توحيدهم، وهذا لا شك في بطلانه[24].
4-إلزامهم فيما أثبتوه بنظير الحكم فيما نفوه، وهذه من طرق الإمام أحمد في الرد عليهم، حيث إنهم يزعمون الإقرار بعلم الله تعالى، ويقولون إن الاسم مخلوق، فيلزمهم في العلم ما التزموه في الاسم ؛ لأن الاسم قد أضيف إلى الله كما أن العلم قد أضيف إلى الله، فيقال لهم:أنتم تقولون إن الاسم مخلوق حادث، بمعنى أنه تعالى قبل أن يخلق الاسم كان ولا اسم له، فيلزمكم أنه قد كان جاهلاً لا يعلم حتى خلق لنفسه علماً، وكان ولا نور له حتى خلق لنفسه نوراً، وكان ولا قدرة له حتى يخلق لنفسه قدرة، وهذا بيُّن البطلان، وهذا من الجواب بالنقض، وهو قريب من قلب الدليل، حيث إن إقرارهم بالعلم صار حجة عليهم في إبطال ما قالوا به في الاسم[25].
5-كما أن هذه الدعوى يكفي تأملها في بيان بطلانها، فإن حقيقة دعواهم «أن الله كان مجهولاً، كشخص مجهول، لا يهتدي لاسمه، ولا يدرى ما هو، حتى خلق الخلق، فابتدعوا له أسماء من مخلوق كلامهم، فأعاروها إياها، من غير أن يعرف له اسم قبل الخلق، ومن ادعى هذا التأويل فقد نسب الله تعالى إلى العجز والوهن والضرورة والحاجة إلى الخلق، لأن المستعير محتاج مضطر، والمعير أبداً أعلى منه وأغنى ،ففي هذه الدعوى استجهال الخالق إذ كان بزعمهم هملاً لا يدرى ما اسمه وما هو وما صفته ، والله المتعالي عن هذا الوصف»[26].
بل إن لازم دعواهم أن الله كان في حد المجهول أكثر منه في حد المعروف، فإنهم إذا قالوا بخلقها، فإن لخلقها وقتاً، فما كان قبل خلقها هي أزمان لا نهاية ولا حدَّ لها، قد كان الله فيها-على حد فريتهم-مجهولاً، أما ما كان بعد خلقها من الأزمان إلى الآن فهو محدود، وكون الله مجهولاً عندهم أكبر -بما لا حد له-من كونه معلوماً، وفي تأمل هذا الكفر الصراح ما يغني عن رده[27].
6-كما أن في دعواهم هذه تشبيها لأسماء الله بأسماء المخلوقين، وقياساً لها عليها، وذلك من وجوه:
أ‌- أنهم جعلوا أسماء الله محدَثة مخلوقة كأسماء خلقه، وهذا من أبطل الباطل، بل هو وقوع فيما فروا منه من شبهة التشبيه، وفيه قلب لهذه الشبهة عليهم [28].
ب‌- أن المعتزلة إنما نفوا الصفات فراراً من التشبيه والتجسيم، إذ إنهم يرون أن التجسيم والتشبيه لازمٌ لمن أثبت الصفات [29]، فيقال لهم: فيلزمكم على هذا أن تنفوا الأسماء أيضاً، فإنكم إذا قلتم: هو حي عليم قدير، كان في هذا تشبيه له بغيره ممن هو حي عليم قدير، وكان في هذا من التجسيم كما في إثبات الحياة والعلم والقدرة له، لأنه لا يُعرف مسمَّى بهذه الأسماء إلا جسم، كما لا يعرف موصوفا بهذه الصفات إلا جسم، وبهذا استطالت الفلاسفة الغلاة والجهمية نفاة الأسماء والصفات على المعتزلة، وقلبوا عليهم دليلهم، فإن دليلهم في نفي الصفات دال على نقيض ما قالوا به في الأسماء، وهذا هو قلب الدليل بعينه، فعادت شبهتهم وحجتهم عليهم، ولهذا تفصيل سيأتي بإذن الله عند الكلام على الصفات[30].
والحق في ذلك ما ذهب إليه أهل السنة، ووافقوا به النصوص، من إثبات الأسماء والصفات على حقيقتها، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا الإثبات لا يستلزم التشبيه المحذور، إنما يستلزم التشبيه على فهم أهل التعطيل من المعتزلة ومن شاكلهم، ولذا كان هذا الفهم للتشبيه حجة عليهم فيما أثبتوه، ولم يكن حجة على أهل السنة فيما أثبتوه.
7- ومن الحجج عليهم كذلك قوله تعالى في آلهة المشركين وأصنامهم:
{إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23)} [سورة النجم 53/23]
وقال سبحانه: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)} [سورة الأعراف 7/71].
فقد عاب آلهة المشركين وأصنامهم بأن أسماءها منتحلة مستعارة مخلوقة، وفي هذا إشارة أن أسماء الله تعالى لم تزل كما لم يزل الله، وأنها بخلاف هذه الأسماء المخلوقة التي أعاروها للأصنام، والآلهة التي عبدوها من دونه، فإن لم تكن أسماء الله بخلافها فأي توبيخٍ لأسماء الآلهة المخلوقة؟! إذ كانت أسماؤها وأسماء الله مخلوقة مستعارة عند المعتزلة بمعنى واحد، وكلها من تسمية العباد ومن تسمية آبائهم بزعم القوم [31].
7- ومن الأدلة العقلية على بطلان قولهم أن يقال:
لو كانت أسماؤه مخلوقة لم يخل :
إما أن يكون خلقها في ذاته.
أو في ذات غيره.
أو لا في ذاته ولا ذات غيره.
فبطل أن يكون خلقها في ذاته، لأن ذاته ليست بمحل للمخلوقات.
ولا يجوز أن يكون أحدثها في ذات غيره، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمى من أحدثها فيه بشيء منها، فيسمى فرداً وصمداً.
ولا يجوز أن يكون أحدثها بنفسها في غير ذات، لأنها صفة، والصفة لا تقوم بنفسها
فبطل بذلك أصل الفرض بأنها مخلوقة، وتبين أنها غير مخلوقة [32].
8- ومما يقال أيضاً أن قول هؤلاء في غاية التناقض، فإنَّ إثبات حيٍّ، عليم، قدير، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمعٍ، ولا بصر مكابرةٌ للعقل، كإثبات مصلٍّ بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة، كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها، ولهذا ذكروا في أصول الفقه: أن صدق الاسم المشتق كالحي والعليم لا ينفك عن صدق المشتق منه كالحياة والعلم [33].
 

 

[1] انظر:نقض الدارمي على المريسي(1/158)، مقالات الإسلاميين للأشعري(70-71، 164-172، 483)، اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي(52-54)، الانتصار للعمراني(2/606)، )، التمهيد لقواعد التوحيد لللامِشي الماتريدي(67)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(3/8)(12/119، 311)(14/348)، الصفدية(1/88-89)، التسعينية(1/270)، النبوات(45، 143)، درء تعارض العقل والنقل(5/249-250)، منهاج السنة النبوية(2/604)،(5/392)، شرح العقيدة الأصفهانية-طبعة مكتبة الرشد(111)، الدليل الكبير ليحيى بن حمزة العلوي الزيدي(62)، شرح العقيدة الطحاوية(1/520)، لوامع الأنوار البهية(1/118).
[2] كتاب باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، لأحمد بن يحيى بن المرتضي(6)
[3] انظر: شرح الأصول الخمسة(105).
[4] النبوات(45).
[5] التدمرية لشيخ الإسلام(18)، شرح الرسالة التدمرية للشيخ البراك(93)، وانظر: مقالات الإسلاميين للأشعري(70-71، 164-166)
[6] مقالات الإسلاميين(483)، الإبانة عن أصول الديانة (143)، شرح الأسماء الحسنى للرازي(33) حيث ذكر مسالك آخرين من المعتزلة .
[7] مقالات الاسلاميين(483)، وانظر: الإبانة عن أصول الديانة (143)، معارج القبول(1/129).
[8] التسعينية(1/270)
[9] انظر:الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي(145)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي(43)
[10] التسعينية(1/270)، وانظر: نقض الدارمي(1/177)، خلق أفعال العباد للبخاري(2/59-60)
[11] انظر:مقالات الاسلاميين للأشعري(525)، الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي(145، 168، 326) ، المقصد الأسنى للغزالي(173)، شرح الأسماء الحسنى للرازي(40)، فتح الباري لابن حجر(11/223)، شرح المقاصد للتفتازاني(4/344-345)، لوامع الأنوار البهية(1/124)، وقد ذكر بعض أصحاب التراجم أن من أسباب ترك الأشعري لمذهب الاعتزال مناظرته الجبائي في بعض المسائل، ومنها هذه المسألة، انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي(3/357-358).
[12] انظر: معنى لا إله إلا الله للزركشي(142)
[13] المحلى لابن حزم(1/29-30).
[14] انظر: تفسير البغوي(3/307)، المحلى لابن حزم(1/29-30)
[15] أخرجه الطبري في تفسيره(13/283).
[16] النبوات(143)،شرح العقيدة الأصفهانية-طبعة مكتبة الرشد (110).
[17] انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(3/103)، معارج القبول للحكمي(1/237).
[18] انظر:مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(12/119)(14/352).
[19] السنة للخلال(6/18)، وانظر: الرد على الزنادقة والجهمية (314-315)، الشريعة للآجري(1/84)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية(6 /391)،
[20] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة(2/214).
[21] انظر: الرد على الزنادقة والجهمية (314-315) نقض الدارمي على المريسي(1/158-185)، السنة للخلال(6/18)، الشريعة للآجري(1/84)شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي(2/208- 214)، المناظرة في القران لابن قدامة(19)، درء تعارض العقل والنقل(2/79)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(170-171، 186)، العلو للعلي العظيم للذهبي(2/1063)، فتح الباري لابن حجر(13/378)، لوامع الأنوار(1/118)
[22] شرح أصول اعتقاد أهل السنة(2/206).
[23] انظر: نقض الدارمي على المريسي(1/159-160)شرح أصول اعتقاد أهل السنة(2/206-212).
[24] انظر: المرجع السابق(2/211)، و: الرد على الزنادقة والجهمية (314-315)، فتح الباري لابن حجر(11/225).
[25] انظر:الرد على الزنادقة والجهمية 314-315.
[26] نقض الدارمي على المريسي(1/158).
[27] انظر: المرجع السابق(1/163).
[28] انظر : نقض الدارمي على المريسي(1/161).
[29] يسأتي الكلام مفصلاً عن شبهة التجسيم والتشبيه
[30] انظر: خلق أفعال العباد للبخاري(2/59)، الصفدية(1/88-89)، شرح العقيدة الأصفهانية-طبعة مكتبة الرشد(110-113)، منهاج السنة النبوية (2/523).
[31] نقض الدارمي على المريسي (1/158) (بتصرف يسير).
[32] الانتصار للعمراني(2/606).
[33] النبوات (46)


التعليقات ( 0 )