• ×

د. تميم القاضي

مسألة : هل المعدوم شيء، أم لا ؟

د. تميم القاضي

 0  0  3.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
من المسائل التي شاع فيها الجدل بين المتكلمين في العقائد والفِرَق مسألة: هل المعدوم شيء؟ أم لا.
وهذه المسألة -وإن كان الكلام فيها يبدوا من أول وهلة أنه نظريٌّ فلسفي- إلا أنه قد ترتب على القول فيها ضلالاتٌ عديدة، فقد اعتمد عليها أهل وحدة الوجود-خصوصاً ابن عربي- في تقريرهم لإلحادهم، كما اعتمد عليها المعتزلة في نفيهم للصفات، ولهذا فقد كان على أهل السنة بيان موقفهم منها، وكشف اللبس الحاصل فيها، شأنها في ذلك شانُ كثير من القضايا التي لم يبدأ أهل السنة الكلامَ فيها، وإنما تكلموا فيها لما تلكم المخالفون فيها، وأدخلوا على الناس بدعهم من خلالها، كمسألة الاسم والمسمى، والصفة والموصوف، ونحوها.
أولاً : من قال بهذه المقالة:
القول بأن المعدوم شيء ثابتٌ في العدم هو قول اشتهر عن ابن عربي، و قال به قبل ابن عربي: جمهور المعتزلة والرافضة، وأول من قال به منهم: أبو عثمان الشحام المعتزلي، شيخ أبي هاشم الجبائي، وإن لم يكن هؤلاء موافقين لابن عربي تمام الموافقة[1].
ثانياً : بيان حقيقة قولهم في شيئية المعدوم:
حاصل قول هؤلاء، أنهم يقولون عن المعدومات الممكنات مايلي:
1-أنها شيء.
2- وأن حقيقتها وماهيتها وعينها وذاتها ثابتة في العدم(أي قبل وجودها).
فالذوات بأسرها عندهم- حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات- كانت ثابتةً في العدم، ثبوتاً خارجياً، لا ذهنياً فحسب.
وبالتالي فهم يفرقون بين الوجود والماهية، فالوجود عندهم قدر زائد على الماهية، فقد تكون الماهية عندهم ثابتة، لكنها غير موجودة، كما في الممكنات المعدومات.
3-وهذه المعدومات التي حقيقتها وذاتها ثابتة في العدم: قديمة أزلية أبدية.
4-ويقولون عن هذه الماهية والعين والحقيقة الثابتة في العدم: إنها غير مخلوقة ولا مجعولة، وابن عربي يزعم أنها في ثبوتها في العدم غنية عن الله في أنفسها.
وهم يخصون هذه الأحكام بالمعدوم الممكن، أما المعدوم الممتنع فليس كذلك عندهم، فإنه ليس بشيء باتفاق العقلاء[2].)
ثالثاً: تفصيل قول أهل السنة في ٱلفرق بين ٱلماهية والوجود، وفي شيئية ٱلمعدوم.
يمكن بيان موقف أهل السنة من هذه المسألة بما يلي:
1-أنه لا فرق بين ماهية ٱلشيء ووجوده، فماهية كل شيء هي عين وجوده، وليس ٱلوجود قدراً زائداً على ٱلماهية، فالذي في ٱلخارج هو وجود ٱلشيء، وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته، وليس وجوده وثبوته في ٱلخارج زائداً على ذلك، هذا هو قول أهل ٱلسنة، بل هو قول سائر ٱلعقلاء[3].
والمفرقون بين الوجود والماهية «لو فسروا الماهيةَ بما يكون في الأذهان والوجودَ بما يكون في الأعيان لكان هذا صحيحاً لا ينازع فيه عاقل، وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل، لكن توهموا أن تلك الماهية التي في الذهن هي بعينها الموجود الذي في الخارج، فظنوا أن في هذا الإنسان المعين جواهر عقلية قائمة بأنفسها مغايرة لهذا المعين، مثل كونه حيواناً وناطقاً وحساساً ومتحركاً بالإرادة ونحو ذلك. والصوابُ أن هذه كلها أسماء لهذا المعين، كل اسم يتضمن صفة ليست هي الصفة التي يتضمنها الإسم الآخر، فالعين واحدة والأسماء والصفات متعددة. وأما إثباتهم أعيانا قائمة بنفسها في هذه العين المعينة فمكابرةٌ للحس والعقل والشرع، فهذا الموجود المعين في الخارج هو هو، ليس هناك جوهران اثنان حتى يكون أحدهما عارضاً للآخر أو معروضاً، بل هناك ذات وصفات»[4].
2- أن ماهية ٱلشيء-والتي هي نفس وجوده وعينه وحقيقته وذاته-تأتي على مرتبتين:
الأولى: مرتبة ٱلثبوت والوجود ٱلذهني و ٱلعلمي، أو ٱللساني، أو ٱلخطيِّ الكتابِيِّ.
وذلك بأن يُتَصوَّر أو يُفرَض أو يُقَدَّر وجود ٱلشيء وماهيته في ٱلذهن والعلم فحسب، وليس ٱلمراد أن حقيقة تلك الأشياء تحصل في ٱلذهن، بل تحصل فيه أمثالها، أو صورها، أو معانيها.
والثانية: مرتبة ٱلثبوت والوجود ٱلعيني ٱلخارجي ٱلحقيقي، أي تحقق عينه في ٱلواقع، بأن يكون ثابتاً في نفسه.
فما من شيء إلا وله هذان ٱلثبوتان.
ويمكن أن تجعل على أربعة مراتب: وجودٌ في ٱلعلم والأذهان، ووجودٌ في ٱللفظ واللسان، ووجودٌ في ٱلرسم والبنان، ووجودٌ في ٱلأعيان، فيكون ٱلوجود ٱلذهني واللساني والبناني داخل في ٱلمرتبة ٱلأولى.
وبهذا ٱلتفصيل يزول ٱلإشكال، فإن ٱلقول بأن ٱلمعدوم شيء ثابت، إن أريد به ٱلمرتبة ٱلأولى، أي أن ٱلمعدوم شيء ثابت في ٱلذهن، أو أنه شيء باعتبار ما سيؤول إليه فهذا ٱلمعنى صحيح، وإن كان في ٱلعبارة توسع، فيقال إن ٱلشيء ٱلمعدوم قد يكون ثابتاً وموجوداً لكن في ٱلعلم والذهن، وعلى هذا ٱلمعنى يحمل ما احتجوا به من نصوص.
وإن أريد به ٱلمرتبة ٱلثانية، بأن يُجعل ٱلمعدومُ شيئاً ثابتاً في ٱلخارج بنفسه، فهذا باطل[5].
قال شيخ ٱلإسلام:«والذى عليه أهل ٱلسنة والجماعة وعامة عقلاء بنى آدم من جميع ٱلاصناف أن ٱلمعدوم ليس في نفسه شيئاً، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شئ واحد، وقد دلَّ على ذلك ٱلكتاب والسنة والإجماع ٱلقديم »[6].
رابعاً: أدلة أهل السنة على قولهم:
احتج ٱلجماهير من أهل ٱلسنة وغيرهم على قولهم هذا بجمع من ٱلنصوص، ومنها:
1- قوله تعالى لزكريا عليه السلام:{وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً = 9} [سورة مريم 19/9]
فهذه ٱلآية ذكرت زكريا عليه السلام قبل زمن وجوده، أي حال عدمه، وأنه لم يك شيئاً آنذاك، مما على أن ٱلمعدوم ليس بشيء.
2- ومثلها قوله تعالى{أَوَلا يَذْكُرُ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } [سورة مريم 19/67]
3-ومن ٱلأدلة قوله سبحانه{إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً } [سورة مريم 19/60]
أي لا ينقصون شيئاً من ثواب أعمالهم[7]، ولو كان ٱلمعدوم شيئا لكان ٱلتقدير لا يظلمون موجودا ولا معدوماً، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه؛ فإنه ليس لهم، ولا ثواباً لأعمالهم.
4-ومن أدلتهم قوله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } [سورة ٱلإنسان 76/1]
فدلت ٱلآية على أن ٱلإنسان قبل وجوده لم يكن شيئاً، وهو قبل وجوده معدوم، مما دل على أن ٱلمعدوم ليس بشيء.
5- ومن أدلتهم كذلك: قوله تعالى:{وَخَلَق َ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } [سورة ٱلفرقان 25/2]
وكذلك قوله {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [سورة ٱلقمر 54/49]
فدلت ٱلآية على أن كل شيء مخلوق، وهم يقولون إن ٱلمعدوم شيء، وإنه ليس بمخلوق، بل لا يختلف ٱلمعتزلة في أن كل مخلوق فهو موجود، فدل ذلك على أن ٱلمعدوم ليس بشيء، وثبت بجلاء مناقضة قول ٱلمعتزلة ومن تبعهم لهذه ٱلآيات وغيرها مما دل عليه ٱلكتاب، وأجمعت عليه ٱلأمه من عموم خلق ٱلله للأشياء[8].
خامساً:بيان أدلة من قال إن المعدوم شيء، والجواب عنها:
أساس شبهة ٱلقائلين بأن ٱلمعدوم شيء موجود هو خلطهم بين مقامين، مقام ٱلوجود ٱلذهني، ومقام ٱلوجود ٱلعيني ٱلخارجي، فهم نظروا إلى بعض ٱلنصوص أو ٱلأحكام ٱلعقلية ٱلتي عُلِّقت بالوجود ٱلذهني، فأجروها على ٱلوجود ٱلخارجي، وأطلقوا ٱلقول إطلاقاً يشمل ٱلمقامين، وبهذا يكون أساس ٱلرد عليهم هو تحقيق ٱلتفريق بين ٱلوجودين-الذهني والخارجي-وبإبطال ٱلتفريق بين ماهية ٱلشيء ووجود، وهذا ما تقدم بيانه.
وقد استدل ٱلقائلون بأن ٱلمعدوم شيء بأدلة منها:
1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } [سورة ٱلحـج 22/1]
قالوا: زلزلة ٱلساعة معدومة ٱلآن، ومع ذلك فقد سماها ٱلقران(شيئاً) مما دل على أن ٱلمعدوم شيء.
ويجاب عن هذا ٱلاستدلال بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن قوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } [سورة ٱلحـج 22/1]موصول بما بعده، وهو قوله: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } [سورة ٱلحـج 22/2]الآية، فالساعة شيءٌ عظيم في ذلك ٱلحين، وذلك ٱلحين تكون ٱلساعة موجودة لا معدومة، وهذا لا خلاف فيه، ولم يأت في ٱلآية أن ٱلساعة شيء عظيم ٱلآن، فبطل ٱلاستدلال.
والجواب الثاني: أن ٱلمعدوم قد يسمى شيئاً باعتبار ما سيؤول إليه، فصح بهذا تسمية ٱلساعة شيئاً قبل وقوعها.
والجواب الثالث: أن يكون ٱلمراد بالآية أن ٱلساعة شئ عظيم في ٱلعلم والتقدير، وهذا راجع لما سبق تقريره من ٱلتفريق بين ٱلوجود ٱلعلمي والخارجي[9].
والجواب الرابع: أن هذه ٱلآية تنقلب عليهم في هذه ٱلمسألة، حيث إنهم يقولون في ٱلمعدوم ٱلذي وصفوه بأنه ذات يقولون إنه ليس بمحلٍّ للأعراض، وإن ٱلذي يوصف بالأعراض هو ٱلموجود لا ٱلمعدوم، و(الشيء) ٱلوارد في هذه ٱلآية قد وصف بعدَّة أعراض لازمة له، فالزلزلة لا بد فيها من عدة أعراض، كشدَّة ٱلحركة، وارتفاع ٱلصوت، بل نفس ٱلآية وصفتها بالعِظَم، وهو عرض، فدل ذلك على نقيض قولهم[10].
2-كما استدلوا بقوله تعالى:{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [سورة ٱلنحل 16/40]
ووجه ٱلاستدلال عندهم: ان ٱلآية دلت على أن ٱلمُرادَ شيء، والمراد معدوم(عند إرادته وقبل إيجاده)، مما دل على أن ٱلمعدوم شيء.
والجواب عن هذه ٱلآية على مقامين: إبطال ٱلدليل، وقلب ٱلدليل.
أما إبطال ٱلدليل فهو أن هذا ٱلمراد-المعدوم حين إرادته- يكون شيئاً في ٱلعلم والتقدير، لا في ٱلوجود والخارج.
وأما قلب ٱلدليل فإن هذه ٱلآية حجة عليهم، ذلك أنها دلت على أن ٱلله تعالى يريد هذا ٱلشيء، ويكوِّنه، وعندهم أن هذا ٱلشيء ثابت في ٱلعدم، وإنما يراد وجوده، لا عينه ونفسه، خلافاً لما أخبر ٱلقران من أن نفسه تراد، فعادت ٱلآية حجة عليهم[11].
3- كما احتجوا بقوله تعالى:{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاءُ ٱللَّهُ} [سورة ٱلكهف 18/23-24]
قالوا: فالشيء ٱلذي سيفعله ٱلفاعل غداً هو معدوم في ٱلحال، وقد سماه ٱلقران شيئاً، فوجب تسمية ٱلمعدوم شيئاً.
والجواب عن ذلك أن هذه تسمية للشيء باعتبار ما سيؤول إليه، فالذي سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في ٱلحال، وهذا كقوله تعالى:{أَتَى أَمْرُ ٱللَّهِ } [سورة ٱلنحل 16/1]، والمراد سيأتي أمر ٱلله[12].
كما أن تقدير ٱلكلام في ٱلآية: لا تقولن إني فاعل غداً شيئاً إلا أن يشاء ٱلله، فتسميته شيئاً مقدر حين وقت حصوله ووجوده، وهذا خارج عن ٱلنزاع[13].
4-كما احتج بعضهم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [سورة ٱلبقرة 2/20]
قالوا: في هذه ٱلآية أثبت تعالى ٱلقدرة على ٱلشيء، والموجود لا قدرة عليه؛ لاستحالة إيجاد ٱلموجود، فالذي عليه ٱلقدرة معدوم، وهو شيء، فالمعدوم شيء.
والجواب أن هذه ٱلآية بعينها مما استدل به من قال إن ٱلمعدوم ليس بشي، ذلك أن هذه ٱلآية دلت على عموم قدرته تعالى على كل شي، ومما يشمله ذلك ماهيات ٱلأشياء، ومن قدرته على ٱلماهية ٱلقدرة على تقريرها وإبطالها، وإذا كان ٱلأمر كذلك، لزم منه تقدم وجود ٱلله على تقرير تلك ٱلماهيات، لوجوب تقدم ٱلمؤثر على ٱلأثر، وإذا كان ٱلأمر كذلك ثبت أن ٱلماهيات بأسرها نفي محض وعدم صرف في ٱلأزل، وذلك مناقض لقولهم، كما دل ذلك على إمكان إبطال تلك ٱلماهيات، لدخول ذلك في قدرة ٱلله، وهذا أيضاً مناقض لقوهم في تلك ٱلماهيات ٱلثابتة في ٱلعدم.
ثم إنه يلزم على استدلالهم هذا أن لا يسمى ٱلموجود شيئاً، وأن يخص ٱلشيء بالمعدوم، حيث إن ٱلآية نصت على عموم قدرة ٱلله لكل ما هو شيء، وهم جعلوا ٱلموجود غير داخل في قدرة ٱلله، فيلزمهم أن ٱلموجود ليس بشيء، وهذا باطل باتفاق[14].
ثم إن قولهم: إن ٱلموجود لا قدرة عليه قولٌ باطل، فالموجود تشمله ٱلقدرة، إما بإفناءه، وإيجاده بعد فناءه، أو بتغيير صفاته، أو بغير ذلك.
كما احتجوا على قولهم بعدة حجج عقلية، ومنها:
1- قولهم: إن ٱلمعدوم شيء ثابت في ٱلعدم، بحجة إمكان تصوره، والعلم به، مع عدم ٱلعلم بوجوده، مما دل على ثبوته، ولذلك صح أن يخص ٱلمعدوم بالقصد، والخلق، والخبر عنه، والأمر به، والنهي عنه، وغير ذلك، قالوا: وهذه ٱلتخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم ٱلمحض.
والبعض يذكر هذه ٱلشبهة بقوله: ٱلمعدوم متميز؛ لأنه متصور، ولا يمكن تصور ٱلشيء إلا بتميزه عن غيره، وإلا لم يكن هو بكونه متصَوَّراً أولى من ٱلغير، وكل متميز له هوية يشير إليها ٱلعقل، وذلك لا يتصور إلا بتعينه وثبوته في نفسه.
والجواب عن هذه ٱلشبهة: ما سبق تقريره من ٱلتفريق بين ٱلوجود ٱلذهني، والوجود ٱلخارجي، فما ذكروه من أحكام-كتصوره والعلم به وتميزه عن غيره- إنما هي متعلقة بالوجود ٱلذهني، أوالوجود ٱللفظي، ولا يلزم تعلقها بالوجود ٱلخارجي.
كما يقال إيضاً إن هذه ٱلعلة تنتقض عليهم بالمعدوم ٱلممتنع، ذلك أن ٱلمعدوم ٱلممتنع مثل شريك ٱلبارى وولده-سبحانه-ومثل اجتماع ٱلضدين، أو ارتفاع ٱلنقيضين، أو حصول جسم واحد في وقت واحد في مكانين، أو كون ٱلواحد أكثر من ٱلاثنين، فكل ذلك داخل في علم ٱلله،فهي أمور معلومة ومتمايزة فيما بينها في ٱلذهن والعلم، ومع ذلك لم تكن شيئاً اتفاقاً، فبطلت علة هؤلاء[15].
بل إن حجة هذه تنتقض عليهم بنفس ٱلوجود، فكما أنهم قالوا: ماهية ٱلمعدوم(كزيد قبل وجوده مثلاً) ثابتة في ٱلعدم؛ لتميزه ولإمكان تصور ذاته، فيمكن أن يقال: إن وجود هذا ٱلمعدوم متصور، ومعلوم، ومتميز عن ٱلعدم وعن غيره، فلو لزم من مجردِ كونِ ٱلتمييز ٱلذهني والتصور ٱلعقلي كونُ هذا ٱلمتميز ثابتاً في ٱلعدم للزم كون ماهية ٱلوجود متقررةً في ٱلعدم، وذلك محال وباطل باتفاق منا ومنهم، إذ إن ٱلعدم نقيض ٱلوجود، والنقيضان لا يجتمعان، وهم يقرون بأن ماهية ٱلوجود غير متقررة في ٱلعدم.
وتنتقض عليهم بالتركيب، كتركيب ٱلجملة من حروفها، والبيت من أجزاءه، فإن ماهية هذا ٱلتركيب متميزةٌ عن غيرها، كما أن ٱلتركيب متصوَّرٌ بالذهن، مقصودٌ إليه بالإراده، ومع ذلك فإنه ليس متقررٌ حال ٱلعدم وفاقاً؛ لأنه-أي ٱلتركيب- عبارة عن اجتماع ٱلأجزاء، وانضمام بعضها إلى بعض، وتماسها على وجه مخصوص، وذلك لا يتصور حال ٱلعدم، بل حال الوجود[16].
وقد سبق أن ٱلجواب بالنقض قريب من ٱلقلب، وهو هنا كذلك، فحجتهم ٱلتي احتجوا بها على أن ٱلمعدوم ٱلممكن ثابث غير موجود ألزمتهم أن يقولوا إن ٱلمعدوم موجود في ٱلعدم، فعادت حجتهم عليهم.
2-ومن حججهم العقلية في ٱلتفريق بين ٱلماهية والوجود قولهم: إن ٱلوجود أمرٌ مشترك بين ٱلموجودات، أما ماهية ٱلشيء وحقيقته فهي مختصة به، فتختلف فيه ٱلموجودات، مما دل على ٱلتفريق بين ٱلوجود والماهية.
والجواب على هذه ٱلشبهة كالسابق، فإن ٱلوجود ٱلخارجي لا اشتراك فيه، كما أن ٱلحقيقة ٱلخارجية لا اشتراك فيها، وإنما ٱلاشتراك قد يقع في ٱلوجود ٱلذهني، فالذهن يدرك ٱلوجود ٱلمشترَك، كما يدرك ٱلماهية ٱلمشتركة، وبهذا يبطل ٱلتفريق بين ٱلأمرين؛ فإن ٱلوجود ٱلمعين في ٱلخارج لا اشتراك فيه، كما أن ٱلحقيقة ٱلمعينة ٱلموجودة في ٱلخارج لا اشتراك فيها، وإنما ٱلعلم يدرك ٱلموجود ٱلمشترك[17].
3-ومن حججهم قولهم: ((إن ٱلممكن ٱلمعدوم متميز عن ٱلمحال[أي ٱلمعدوم ٱلممتنع]، وأنه يصح أن يكون مقدوراً، والمحال لا يصح أن يكون مقدوراً، وما كان كذلك كان ثابتاً))[18].
ويجاب عن هذه ٱلشبهة بما تقدم من أن هذا ٱلتميُّز ذهنيٌ لا خارجيٌ، ثم إن هذا ٱلدليل ينقلب عليهم فيما ذكروه فيه من ٱلمعدوم ٱلممتنع، فيلزمهم أن يجعلوه شيئاً وأن له ذاتاً ثابتة في ٱلعدم، وهم لا يقولون بذلك.
ثم إنه يقال لهم في جواب هذه ٱلشبهة، بل وفي هذه ٱلمسألة عموماً: إن ما ذكرتموه في ٱلمعدوم ٱلممكن من أنه ذات ثابتة في ٱلعدم، وواجب كونه ذاتاً، قولُكم هذا يُخرجُ ٱلممكنَ من ٱلإمكان إلى ٱلوجوب، ويستحيل أن يكون ممكناً، لأن ٱلإمكان هو جواز ثبوت ٱلمنفي، وانتفاء ٱلثابت، وهذه الممكنات المعدومات ثابتة في العدم-عندكم- ولا يجوز نفيها، فلاتكون تلك الذوات ٱلتي أثبتّموها في ٱلعدم ممكنة بل واجبة، فبطل قولكم من أصله في وصفها بالإمكان، فإنكم قد جعلتموها واجبة ٱلتقرر في ٱلخارج ممتنعة ٱلزوال، ولا معنى لواجب ٱلوجود غير هذا، فلزم من قولكم تعدد واجب ٱلوجود، وهو محال باتفاق[19].
4- ومن حججهم أيضاً-وفيها قرب من ٱلحجة ٱلأولى- قولهم: لو لم تكن ٱلذوات ثابتة في حالة ٱلعدم، متميزة في ٱلعدم، لم يتصور من ٱلفاعل إيجادها، ولا ٱلقصد إلى إحداثها، وإلا لكان ٱلقصد إلى إيجاد ما لا يعرف عينه، وهو غير معين في نفسه، ولعله يقع جوهراً أو عرضاً وهو محال[20].
والجواب عن هذه ٱلشبهة على مقامين، إبطالٌ للدليل، وقلب للدليل.
أما إبطال ٱلدليل فبأن يقال: ما مرادكم من أن ٱلقصد إلى ٱلإيجاد يستدعي ثبوت ٱلموجَد؟ إن أردتم أنه يستدعي ثبوته بنفسه في ٱلخارج، فهذا ممنوع، وهو غير لازم، وإن إردتم أنه يستدعي ثبوته في ٱلعلم، وفي نفس ٱلقاصد، فهذا مُسَلَّم، لكنه لا يدل على ما ذهبتم إليه من ٱلثبوت في ٱلخارج، بل ثبوت ٱلشيء هو وجوده[21].
وأما قلب الدليل فهو مترتب على ٱلإبطال ٱلسابق، وذلك بأن يقال: إنه لو كانت ٱلذوات ثابتة في ٱلعدم، لما تصور من ٱلفاعل إيجادها، إذ قد ثبت بدلالة ٱللغة والعقل أن ٱلإيجاد هو ٱلإثبات، وإثبات ٱلثابت أو إيجاد ٱلموجود من ٱلمحال، فلزم أن ذوات ٱلأشياء لم تكن ثابتة ولا موجودة في ٱلخارج حال عدمها، وهو ٱلمطلوب.
هذه أبرز شبه ٱلمعتزلة ومن وافقهم على قولهم في شيئية ٱلعدوم، والتفريق بين ٱلماهية والوجود، وغالب ٱلشبه ٱلأخرى ترجع إليها[22]، فثبت بذلك أن مقالتهم باطلة؛ لبطلان شبههم وانقلابها وانتقاضها، ولما لمقالتهم من لوازم فاسدة، وما تضمنته من غاية ٱلتعطيل لربوبية ٱلله تعالى، ولأوليته، وعموم خلقه، إذ إن ٱلمعدومات ٱلممكنة أكثر-بما لا حصر له-من ٱلموجودات، وهم يجعلون ٱلأولى ثابتةً، ويجعلونها شيئاً، ولا يجعلونها مخلوقةً، بل يجعلونها قديمة ثابتة في ٱلأزل، دائمة إلى ٱلأبد، فخرجت أكثر ٱلأشياء عن كونها مخلوقة له، بل شاركته في أوليته وآخريته، وهذا هو غاية ٱلتنقص لمقام ربوبيته سبحانه.
كما أن مقالتهم تستلزم التسلسل إلى ما لا نهاية، ذلك أن كل وصف من أوصاف للممكن(كالقوة والحجم، والكثافة، ..الخ) من الممكن فرض احتمالات غير متناهية فيها، كتضعيف مقادير تلك الصفات، كفرض أن هذا الجسم طوله ضعف طوله الآن، وضعفي طوله، ...وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا يلزم منه التسلسل، وهو باطل، إلى غير ذلك من ٱللوازم ٱلفاسدة، والله أعلم.

[1] انظر في الفرق بين قول المعتزلة وقول ابن عربي: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/143-144).
[2] انظر في بيان هذا الأصل عند ابن عربي: الفتوحات المكية (3/193)(4/16)، شرح فصوص الحكم للقيصري(20-21، 422، 548، 753)، وحول مسألة هل المعدوم شي؟ والفرق بين الماهية والوجود، وقول المعتزلة والرافضة في ذلك، انظر: التوحيد لأبي منصور الماتريدي(86)، الفصل في الملل والأهواء والنحل(5/27)، نهاية الإقدام للشهرستاني(151)، التبصير في الدين للاسفرييني(63)، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار(1/120)، أصول الدين للبزدوي(221)، الإرشاد للجويني(31)، غاية المرام للآمدي(268، 274)، أبكار الأفكار له(3/387)، تلبيس ابليس(102-103)، الكامل في الاستقصاء للعجالي المعتزلي(185، 190)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(8/182-183)، منهاج السنة النبوية(1/376، 401)، التحبير شرح التحرير للمرداوي(5/2383)، المواقف للإيجي(1/265).
[3] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/156)(9/98).
[4] درء تعارض العقل والنقل(1/288).
[5] انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/155-159)، وانظركذلك: الأربعين في أصول الدين للرازي(88)، المباحث المشرقية له (1/134- 137)، المواقف للإيجي(1/266).
[6] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام( 2/155)، وحول قول الجماهير إن المعدوم ليس بشيء، انظر:التمهيد للباقلاني(34-35)، الفصل في الملل والأهواء والنحل(5/27)، أصول الدين للبزدوي(221)، الإرشاد للجويني(31)، الأربعين في أصول الدين للرازي(88)، المباحث المشرقية له (1/134، 136)، أبكار الأفكار للآمدي(3/387)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(3/77) (8/182) (9/97-99) (18/370)، الجواب الصحيح له(4/300)، المواقف للإيجي(1/265-266).
[7] انظر: جامع البيان للطبري(18/219).
[8] انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل(5/27-28)، حجج القرآن(82)، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار(1/121)، أصول الدين للبزدوي(221)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/155-156).
[9] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/155-156)، وانظر: حجج القرآن(82)، أصول الدين للبزدوي(221-222)، غاية المرام للآمدي(281)،أبكار الأفكار له(3/385)، نعمة الذريعة للحلبي(92).
[10] انظر: الكامل في الاستقصاء للعجالي المعتزلي(216) والعجالي وأن كان معتزلياً، إلا أنه قد خالف جمهور المعتزلة في هذه المسألة، وأجاب عن أدلتهم فيها، وانظر: غاية المرام للآمدي(281).
[11] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/156)، وانظر: حجج القرآن(82)، أصول الدين للبزدوي(221-222)، التفسير الكبير للرازي(26/97).
[12] انظر: حجج القرآن(82)، أصول الدين للبزدوي(221-222)، التفسير الكبير للرازي(21/94).
[13] انظر: غاية المرام للآمدي(281)، أبكار الأفكار له(3/385).
[14] انظر: التفسير الكبير للرازي(2/74)، والأربعين في أصول الدين له(90-91).
[15] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/155) (8/182-183) (9/97) (18/370)، وانظر: أصول الدين للبزدوي(222)، الفصل في الملل والأهواء والنحل(5/27)، الأربعين في أصول الدين للرازي(85، 95-97)، المباحث المشرقية له(1/136)، غاية المرام للآمدي(279)، أبكار الأفكار له(3/397، 399-400)، الكامل في الاستقصاء للعجالي المعتزلي(203-205)، درء التعارض(2/289) (3/154)، المواقف للإيجي(1/272).
[16] انظر:الأربعين في أصول الدين(96-97)، المباحث المشرقية له(1/136)، غاية المرام للآمدي(280)، أبكار الأفكار له(3/400)، الكامل في الاستقصاء للعجالي المعتزلي(203-204).المواقف للإيجي(1/273).
[17] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام(2/158)، و انظر الكامل في الاستقصاء للعجالي المعتزلي(186-187)، فقد ذكر هذه الحجة، وأجاب عنها بنحو جواب شيخ الإسلام.
[18] الكامل في الاستقصاء للعجالي المعتزلي(214).
[19] انظر: المرجع السابق(214-215)، و الأربعين في أصول الدين للرازي(90).
[20] أبكار الأفكار(3/398).
[21] انظر: المرجع السابق: (3/402).
[22] انظر: أبكار الأفكار للآمدي(3/396-403)، فقد ذكرعشر شبه لهم وأجاب عنها.


التعليقات ( 0 )