• ×

د. أحمد القاضي

(قل هذه سبيلي) (5)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فالمعلم الخامس من معالم السبيل ، سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وسبيل من اتبعه من المؤمنين : ( التنزيه ) المستفاد من قوله في الآية : ( وسبحان الله ) .
إن تنزيه الرب سبحانه من أسس الدين، وقواعد دعوة المرسلين ؛ فإنه سبحانه أهل الحمد، والثناء، والمجد ، كما قال : ( الحمد لله رب العالمين ) الفاتحة : 1 ، فهو المستحق وحده لصفات الكمال ، ونعوت الجلال ، ولكن المبطلين شانوا هذا (المثل الأعلى ) بصفات النقص، والعيب، ومماثلة المخلوقين ، فاحتيج إلى التنزيه والتسبيح . ومعنى ( سبحان الله ) أي تنزيهاً لله . ولهذا كان (الحمد) و (التسبيح) مستوعبان لمعاني الإيمان ؛ فعن أبي مالك الأشعري، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله، تملآن، أو تملأ، ما بين السماوات والأرض ) رواه مسلم .
ولا بد لسالكي السبيل من التسبيح :
أولاً : في أنفسهم ، فتمتلئ قلوبهم بتنزيه الرب وتقديسه، واعتقاد المثل الأعلى له .
ثانياً : في ألسنتهم ، فتلهج دوماً بهذا الذكر الكريم : ( سبحان الله ) .
ثالثاً : في دعوتهم وتعليمهم ، فيشيعوا معاني التنزيه في بياناتهم، وخطبهم، ومواعظهم.
رابعاً : في تربيتهم للناس ، فيوقرون في قلوبهم تعظيم الرب، وتنزيهه عن الأوهـام،      
        والظنون الفاسدة ؛ فعن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، قال : ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله: نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله! سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال : ويحك ! أتدري ما الله ؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد ) الحديث . رواه أبو داود .
      ومن صور تنزيه الرب، سبحانه :
1- تنزيهه في ذاته، وأسمائه، وصفاته، كما تقدم، فيصان عن صفة النقص، والعيب، ومماثلة المخلوقين، دون أن يفضي ذلك إلى التعطيل . بل يثبت لله صفات الكمال التي أثبتها لنفسه في كتابه، أو أثبتها له نبيه في سنته، إثباتاً بلا تمثيل، وينزهه تنزيهاً بلا تعطيل . فلئن كان الممثل يعبد صنماً، فإن المعطل يعبد عدماً .
2- تنزيهه في أفعاله ، فيعتقد فيها كمال الحكمة والتعليل، وينزهه عن العبث، والسفه، والظلم، ونحو ذلك . ولا يقتصر على محض المشيئة، فإن مشيئته، سبحانه، مقرونة بحكمته .
3- تنزيهه في شرعه ، فيعتقد أن شريعته عين الكمال، وأنها محققة لمصالح العباد في كل جيل، وقبيل، لكل زمان ومكان. وينفي عنها ما تقوَّله الظالمون، الطاعنون في عدلها، وشمولها، وتوازنها، وديمومتها . قال تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ) الأنعام: 115، صدقاً في أخبارها، وعدلاً في أحكامها ، ( ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة: 50
فسبحان الله عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته .


التعليقات ( 0 )