• ×

د. تميم القاضي

قياس الأولى في العقيدة

د. تميم القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
للشيخ: د عيسى السعدي
ضمن كتابه: آثار المثل الأعلى
 
معنى القياس وإطلاقاته
القياس لغة مصدر لقاس ؛ بمعنى : قدر الشيء بالشيء ؛ يقال : قاس الثّوب بالذراع إذا قدّره به ، وقاس الطبيب الشجّة بالمقياس إذا قدّر غورها به [1] .
واصطلاحًا يطلق حقيقةً [2] على معنيين : ـ
أحدهما : قياس التّمثيل ؛ وهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما [3] ؛ ويسمى القياس الفقهيّ ؛ لأنّ الفقهاء يحتجّون به في إثبات الأحكام الشرعيّة [4] .
والثّاني : قياس الشّمول ؛ وهو قول مؤلّف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر [5] . الَّذِي عني بِهِ أهل المنطق ، وزعموا أنّه الطّريق الوحيد لحصول العلوم اليقينيّة النّظريّة !؛ ولهذا استضعفوا قياس التّمثيل ؛ لأنّه في نظرهم إنّما يفيد الظنّ دون العلم ! . والصّواب أنّ حقيقة القياسين واحدة ، واختلافهما إنّما هو في صورة الاستدلال ، وصورة التّمثيل أقرب إلى الفطرة ؛ ولهذا عوّل عليه أكثر العقلاء !
أما مُفادهما من يقين أو ظنّ فتبع لمادّة القياس لا لصورته ؛ فإن كانت المادّة يقينيّة أفاد اليقين وإلاّ أفاد الظنّ تمثيلاً كان أو شمولاً [6] .
والقياسان كلاهما من تمثيل وشمول يستعملان على وجهين : ـ
الأوّل : قياس المساواة ؛ وهو أن يكون الغائب مماثلاً أو مقاربًا للشّاهد .
والثّاني : قياس الأولى ؛ وهو أن يكون الغائب أولى بالحكم من الشّاهد [7] .
أو بعبارة أشمل وأضبط أن يكون المقيس مماثلاً للمقيس عليه أو أولى بالحكم منه .
 
استعمال القياس بين صفات اللّه تعالى
استعمال القياس في العلم المتعلّق بصفات الله تعالى يكون في اعتبار الغائب من أفعال الله بالمشهود منها ، ويكون في اعتبار صفات الخالق بما يشاهد من صفات المخلوق ؛ فإن كان الاعتبار في طرفيه متعلّقًا بأفعال الله وصفاته جاز في ذلك استعمال قياس الأولى والمساواة ؛ والأدلّة على ذلك كثيرة ؛ فمن أدلّة قياس المساواة النّصوص الآتية : ـ
1 ـ قوله تعالى : { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}[ الرّوم : 19 ] ، فقاس النّظير على النّظير ؛ ودلّ بفعله المتحقّق بالمشاهدة من إخراج وإحياء على بعث الأموات الَّذي استبعدوه وأنكروه ؛ إذ الفعل الموعود نظير الفعل المشاهد ، ومن أنكره لزمه التّناقض والتفريق بين المتماثلين ، والطّعن في علم الربّ وحكمته وإرادته وقدرته ؛ ولهذا حكم الله على منكري البعث بكفر الربوبيّة ، قال تعالى : { وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ}[ الرّعد : 5 ] .
وقد تكرّر الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بالنّبات ؛ وذلك لصحّة مقدّماته ، ووضوح دلالته ، وقرب تناوله ، وبعده عن كلّ معارض ، قال تعالى : { وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[ الحجّ : 5 ، 6 ] ، وقال : { فَانْظُرْ إلَى ءَاثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[ الرّوم : 50 ] ، وقال : { وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}[ ق : 11 ] ، وقال : { وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[ فصّلت : 39 ] ، يقول ابن القيّم : جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات ، وإخراج النّبات منها نظير إخراجهم من القبور ، ودلّ بالنّظير على نظيره ، وجعل ذلك آية ودليلاً على خمسة مطالب : ـ
أحدها : وجود الصّانع ، وأنّه الحقّ المبين ، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله .
الثّاني : أنّه يحيي الموتى .
الثّالث : عموم قدرته على كلّ شيء .
الرّابع : إتيان السّاعة وأنها لا ريب فيها .
الخامس : أنّه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النّبات من الأرض [8] .
2 ـ قوله تعالى : { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ}[ الأنعام : 133 ] ، فقاس النّظير على النّظير ، وبيّن أنّ القدرة على إذهاب المخاطبين كالقدرة على إذهاب السّابقين ؛ فإذا ساورهم في العلّة والمعنى والأعمال ساووهم في الحكم والوعيد والعاقبة ، كما قال تعالى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}[ مُحَمَّد : 10 ] ، فأخبر أنّ حكم الشيء حكم مثله ، وكذلك كلّ موضع أمر فيه بالسّير في الأرض فإنّه يدلّ على الاعتبار والحذر أن يحلّ بالمخاطبين من أفعال الله مثل ما حلّ بالسّابقين ! [9] .
3 ـ ما رواه الإمام البخاريّ بسنده عن أنس بن مالك t أَنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [10] ، فقاس الإمشاء على الوجه على الإمشاء على الرّجلين ؛ إذ قدرة الربّ على الفعل الموعود نظير قدرته على الفعل المشهود ، يقول ابن حجر : المراد بالمشي حقيقة ؛ فلذلك استغربوه حتَّى سألوا عن كيفيّته ، وزعم بعض المفسّرين أنّه مَثَل ، وأنّه كقوله : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا}[ الملك : 22 ] ، قال مجاهد : هذا مثل المؤمن والكافر . قلت : ولا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسّر به الآية الأخرى [11] ؛ فالجواب الصّادر عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ظاهر في تقرير المشي على حقيقته ... والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنّه عوقب على عدم السّجود لله في الدّنيا بأن يسحب على وجهه في القيامة ؛ إظهارًا لهوانه ؛ بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات [12] .
أمّا أدلّة استعمال قياس الأولى بين صفات الله تعالى فمنها النّصوص الآتية :
1 ـ قوله تعالى : { إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[ آل عمران : 59 ] ، فقاس القدرة على خلق عيسى على القدرة على خلق آدم ؛ لأنّ من قدر على الخلق من غير أب ولا أم فقدرته على الخلق من غير أب من باب أولى ، يقول ابن تَيْمِيَّة : شبّهه الله بخلق آدم الَّذي هو أعجب من خلق المسيح ؛ فإذا كان سبحانه قادرًا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان ؟! [13] .
2 ـ قوله تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ . إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[ يس : 78 - 82 ] ، فقاس القدرة على الأيسر على القدرة على الأعظم ؛ لأنّ القدرة على النشأة الأولى ، وعلى خلق السموات والأرض دليل على النّشأة الثّانية من باب أولى . وقد ذكر الله في ثنايا هذا الدّليل الصّفات المصحّحة للإعادة ؛ وهي عموم العلم وتمام القدرة وكمال الإرادة ؛ لأنّ تعذّر الإعادة إنّما يكون لقصور في هذه الصّفات ، ولا قصور في علم من هو بكلّ شيء عليم ، ولا قدرة فوق قدرة من خلق السموات والأرض ، ولا إرادة تعارض من إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون ! [14]
وقد تكرّر الاستدلال على المعاد بخلق الأنفس والآفاق بأفصح العبارات ، وأقطعها للعذر ، وألزمها للحجّة ، قال تعالى : { وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا . أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}[ مريم : 66 ، 67 ] ، وقال : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ...} الآية [ الحجّ : 5 ] ، وقال : { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ . إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}[ الطّارق : 5 ـ 8 ] ؛ فدلّ على الإعادة بالقياس على النّشأة الأولى المعلومة والمشهودة ؛ وهي نشأة أصل البشر من تراب لا حياة فيه ، ونشأة آحاد بني آدم تدريجًا في الأطوار حتَّى إحكام الخلق [15] .
وقال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}[ الإسراء : 99 ] ، وقال : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}[ الأحقاف : 33 ] ، فقدرة الله التامّة على خلق السموات والأرض دليل قطعي على قدرته على إعادة الخلق من باب أولى !
 
حكم القياس بين صفات الخالق والمخلوق
إذا كان الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق فإنّ طريقة قياس الأولى ليس غير ؛ لقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى }[ النّحل : 60 ] ، أي الصّفة العليا الَّتي يستحيل معها وجود المثل . والمراد بالصّفة الجنس فتعمّ جميع صفات الكمال [16] . وهذا المعنى يتضمّن أمرين : ـ
أحدهما : تنزيه الله عن المثل ؛ وقد بنى العلماء على هذا الأصل تحريم قياس المساواة بين الخالق والمخلوق تمثيلاً كان أو شمولاً ؛ فلا يجوز أن يستدلّ على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع ، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده ؛ لأنّ الله لا مثل له ؛ فلا يجوز أن يمثّل بغيره ، ولا أن يدخل تحت قضيّته كليّة يستوي أفرادها .
والثّاني : استحقاق الله تعالى لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص . وقد بنى العلماء على هذا المعنى مشروعيّة الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق عن طريق قياس الأولى سواءٌ أكانت صورته تمثيلاً أو شمولاً ؛ فكلّ ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإنّ الخالق أولى به ، وكل ما تنزّه عنه المخلوق من صفات النّقص فإنّ الخالق أولى بالتنزّه عنه [17] .
وسياق الآية يبيّن دلالتها على صحّة الاعتبار بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى ؛ فإنّ الله تعالى يقول : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ . وَإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ . لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[ النّحل : 57 - 60 ] ؛ فإذا كانت الأنوثة نقصًا وعيبًا لا يرضاه المشرك لنفسه ، ويكره أن يضاف إليه ، فإنّ الخالق أولى بالنزاهة عن الولد النّاقص المكروه ؛ لأنّ الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كلّ كمال وللمشرك مثل السّوء المشتمل على كلّ نقص ! وهذه الحجّة لبيان تناقض المشركين ؛ لأنّ انتفاء الولد مطلقًا معلوم من النّصوص الأخرى [18] !
وممّا يعضد دلالة الآية على صحّة قياس الأولى ، واعتباره طريقًا شرعيًّا في الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق طردًا وعكسًا النّصوص الآتية : ـ
1 ـ قوله تعالى : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}[ فصّلت : 15 ] ، فجعل ما في المخلوق من قوّة وشدّة يدلّ بطريق الأولى على قوّة الخالق وشدّته ؛ لأنّ الخالق أحقّ بالكمال من المخلوق [19] .
2 ـ قوله تعالى : { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}[ العلق : 3 ] ، أي الأفضل من غيره في الكرم الجامع للمحاسن ؛ فيقتضي أنّه أحقّ بجميع المحامد ؛ وهي صفات الكمال ؛ فهو الأحقّ بالإحسان والرّحمة والحكمة والقدرة والعلم والحياة وسائر صفات الكمال [20] .
3 ـ قوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}[ البقرة : 255 ] ؛ فإنّ اسم العليّ يدلّ على علوّ الذات والقهر والقدر ، وعلوّ القدر يتضمّن الدّلالة على أنّه الأحق بجميع صفات الكمال ؛ فكلّ ما في المخلوق من كمال مطلق فإنّ الله أحق به ؛ لأنّه أعلى من المخلوقات قدرًا [21] .
4 ـ قوله تعالى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[ النّحل : 75 ، 76 ] ، فأبطل الشّرك بقياس الأولى ؛ فالعاقل لا يقبل ألبتة المساواة بين مخلوق يملك ويقدر وآخر لا يملك ولا يقدر فلأن لا يقبل التماثل في الحقوق والكمالات بين الأوثان العاجزة المملوكة وبين من له المثل الأعلى من باب أولى [22] .
5 ـ قوله تعالى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }[ الرّوم : 28 ] ، فنزّه نفسه عن الشّريك بمثل مضروب بطريق الأولى ؛ فالسيّد من الخلق يتنزّه عن مشاركة مماليكه في حقوقه على الرّغم من قصور ملكه ؛ فيكون المالك الكامل أولى بالنزاهة عن الشّركاء ؛ لأنّ المخلوق لا يملك إلاّ بعض منافع عبيده ، والخالق يملك أعيان عباده وأفعالهم ؛ فلا يخرج عن ملكه شيء ألبتة [23] .
6 ـ روى ابن أبي عاصم بسنده عن أبي رزين رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أكلّنا يرى ربّه يوم القيامة ؟ قال : أكلّكم يرى القمر مخليا به ؟ قال : نعم ، قال : اللّه أعظم [24] ؛ فأثبت الرؤية لجميع المؤمنين دون تضام وازدحام وقت النّظر بالقياس على رؤية القمر ؛ فإنّه إذ كان ذلك ممكنًا في رؤية المخلوق فإمكانه في رؤية الخالق أولى ؛ لأنّه أعظم وأولى بالكمال من كلّ موجود .
 
تطبيق قياس الأولى
استعمل علماء السّلف قياس الأولى في الاعتبار بين صفات الخالق ، وفي الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق ؛ فمن الاعتبار الأوّل إثبات المباينة قياسًا على الرؤية والكلام ؛ فإذا كان الربّ لا يراه ناسوت في الدّنيا ، ولا يكلّمه بشر إلاّ من وراء حجاب ؛ كما صرّح بذلك المسيح وسائر الأنبياء ـ صلّى الله عليهم وسلّم ـ فلأن لا يستطيع ملابسته ناسوت بطريق الأولى ؛ لأنّ ملابسة الشيء أبلغ من رؤيته [25] .
ومن هذا الاعتبار أيضًا إثبات الإنباء قياسًا على التّعليم ؛ فإنّ قدرة الربّ على تعليم بني آدم بعد الجهل دليل على قدرته على إنباء أكملهم من باب أولى ؛ لأنّ من قدر على تعليم الناقص فقدرته على تعليم الأكمل أولى وأحرى . وهذا دليل عقليّ على إمكان النبوّة ، وأمّا وجود الأنبياء وآياتهم فتعلم بالنّقل المتواتر [26] .
والاعتبار بين صفات الخالق بابه واسع ؛ فإنّه يجوز فيه استعمال قياس الأولى والمساواة ؛ لأنّه لا يتضمّن محذورًا ولا يفضي إليه بوجه من الوجوه ؛ وقد تضمّنت النّصوص كلا النّوعين ؛ فمن قياس المساواة بين صفات الله تعالى قياس البعث على إحياء الأرض الموات ، ومن قياس الأولى بينها قياس الإعادة على ابتداء الخلق .
أمّا الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق فقد احتاط فيه علماء السّلف حيطة تامّةً ؛ فمنعوه إذا كان قياس مساواة سواءٌ أكان تمثيلاً أو شمولاً ؛ لما يتضمّنه من التّمثيل والشّرك ، والعدل بالله ، وهو ضرب الأمثال للّه . وأجازوه إذا كان على وجه الأولى ؛ جريًا على طريقة القرآن والسنّة ، واعتمادًا على ما تقدّم ذكره آنفًا من أدلّةٍ ؛ ولهذا استعملوه في تقرير وتقريب أصول الإثبات والتّنزيه ، وفي الاستدلال على أعيان الصّفات نفيًا وإثباتًا ؛ ومن ذلك الأمور الآتية : ـ
1 ـ وجوب الإثبات بلا تمثيل والتّنزيه بلا تعطيل ؛ فقد استدلّوا على هذا الأصل بمثالين من قياس الأولى : ـ
أ ـ أنّ ما في الجنّة من المطاعم والمشارب والمساكن وغيرها يوافق ما في الدّنيا اسمًا ويخالفه حقيقةً ؛ فإذا كان المخلوق منزّهًا عن مماثلة المخلوق مع توافق الاسم فالخالق أولى أن ينزّه عن مماثلة المخلوق وإن حصل توافق في ألفاظ الصّفات [27] .
ب ـ أنّ الرّوح ثابتةٌ لا يشكّ عاقل في وجودها ، وقد وصفت في النّصوص بصفات ثبوتيّة وسلبيّة ؛ كالعروج والقبض ، والعقول مع ذلك قاصرة عن تكييفها وتحديدها ؛ لأنّهم لم يشاهدوها أو يشاهدوا نظيرها ؛ فإذا كانت صفات الرّوح ثابتة حقيقةً دون تمثيل أو تعطيل فإنّ صفات الخالق أولى بذلك الإثبات ، وإذا عجز الخلق عن إدراك كيفيّة صفات الرّوح فإنّ عجزهم عن إدراك صفات الخالق أولى [28] .
2 ـ صفة العلوّ والمباينة ؛ يؤمن أهل السنّة والجماعة بصفة العلوّ ؛ علوّ الذات والقدر والقهر ، وأنّ الله مستو على عرشه بائن من خلقه ، وأنّ علوّ الربّ لا يناقض معيّته ؛ لأنّها بمعنى مطلق المصاحبة من غير إشعار بمخالطة أو حلول ، ولهم على ذلك أدلّة كثيرة من جملتها قياس الأولى ؛ ودلالته على ذلك من وجوه : ـ
أ ـ أنّ العلوّ كمال مطلق ، وكلّ ما كان كذلك فإنّ الله أحقّ به من كلّ موجود .
ب ـ أنّ العلوّ ضدّه السّفل ؛ وهو نقص يتنزّه عنه المخلوق ، ويوصف به المعيب من المخلوقات ؛ فالخالق أحقّ بالنزاهة عنه ، وعدم الاتّصاف به [29] .
جـ ـ أنّ القول بالحلول يعني أن يكون الربّ في كلّ مكان بما في ذلك الأماكن الَّتي يتنزّه عنها المخلوق فيكون تنزّه الربّ عنها من باب أولى ؛ ولهذا وصف نفسه بالقداسة والطّهارة ! [30] .
د ـ أنّ المخلوق يمكنه الإحاطة بما في يده دون محايثةٍ فإمكان ذلك في حقّ الخالق أولى ، يقول الإمام أحمد : لو أنّ رجلاً كان في يديه قدح من قوارير صاف ، وفيه شراب صاف ، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح ؛ فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه [31] .
هـ ـ أنّ المخلوق يعلم تفصيل مصنوعاته دون محايثة لها ، فالخالق لكلّ شيء أولى بأن يعلم مخلوقاته ، وهو مستوٍ على عرشه ، بائن من خلقه ، يقول الإمام أحمد : لو أنّ رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها ، ثُمَّ أغلق بابها ، وخرج منها ، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره ، وكم سعة كلّ بيت من غير أن يكون صاحب الدّار في جوف الدار ؛ فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه ، وعلم كيف هو ، وما هو ، من غير أن يكون في شيء من خلقه [32] .
3 ـ صفة الرؤية ؛ فإنّ الرؤية من الأمور الوجوديّة المحضة ؛ فالرؤية في ذاتها وجود محض فلا تستلزم أمرًا عدميًّا ، وشروط صحّتها أمور وجوديّة محضة ؛ وهي القيام بالنّفس ، وكون المرئي بجهة من الرائي ، وقوّة البصر . وآخر الشّروط منتف الآن ؛ ولهذا لا نراه في الدّنيا ، وإذا كانت الرؤية وجودًا محضًا من كلّ جهةٍ فإنّ الله أحقّ بها من كلّ موجود ؛ لكمال وجوده [33] .
وكذلك استدلّ علماء السّلف بقياس الأولى على إمكان الرؤية دون إحاطة ؛ روى ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ قوله : إِنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى ربّه ، فقال له رجل عند ذلك : أليس قال الله : { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[ الأنعام : 103 ] ، فقال له عكرمة : ألست ترى السماء ؟ قال : بلى . قال : فكلّها ترى [34] .
4 ـ كمال العلم والإرادة ؛ فإنّ الفعل المحكم المتقن يدلّ على علم فاعله وقدرته في الشّاهد ، فيكون دليلاً عليها في الغائب من باب أولى ؛ لكمال الإحكام والإتقان في المخلوقات [35] .
5 ـ كمال الغنى ؛ فإنّ كمال خلق الملائكة ، واستغناؤهم عن الأكل والشّرب وأدواتهما يدلّ بطريق الأولى على كمال غنى الربّ ، واستغنائه عن ذلك ؛ لأنّ كلّ كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به ؛ لكمال ذاته وصفاته ، واستحالة أن يكون واهب الكمال متجرّدًا عنه [36] .
6 ـ صفة الكلام ؛ فالكلام من صفات الكمال ، وعدمه نقص ينافي الألوهيّة ، ولهذا أبطل الله ألوهيّة العجل المزعومة بعدم الكلام ، قال تعالى : { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً}[ الأعراف : 148 ] ، فإذا كان الكلام كمالاً مطلقًا فإن الله أحق به من كلّ موجود ؛ لكمال وجوده ؛ ولأنّ من جعل غيره متكلّمًا فهو الأحقّ بالكلام . وسائر صفات الكمال تجري مجرى هذه الصّفة ؛ لكمال وجود الربّ ؛ ولأنّ انتفاءها يناقض حقيقة الألوهيّة ؛ ولهذا أبطل الله الشّرك بانتفاء صفات الكمال عن المعبودات الباطلة ، قال تعالى : { إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}[ الأعراف : 194 ، 195 ] ، وقال : { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}[ النّحل : 20 ، 21 ] ، وقال ـ حكاية عن الخليل ـ : { يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}[ مريم : 42 ] ؛ فجعل دليل بطلان الشّرك انتفاء صفات الكمال ؛ لأنّ الإله الحقّ لا بُدّ أن يكون له المثل الأعلى ؛ وذلك باتّصافه بأعلى الصّفات الَّتي يستحيل معها وجود المثل حتَّى تألهه القلوب محبّة ورغبة ورهبة [37] .
 
 
الخاتمة
انتهيت من دراستي لآثار المثل الأعلى إلى جملة من النّتائج أهمّها الأمور الآتية : ـ
1 ـ معرفة المثل الأعلى من مهمّات العقيدة ؛ لأنّ الربّ ـ تبارك وتعالى ـ تمدّح بالتّفرّد به ، وجعله طريقًا لمعرفته ، وبرهاناً على توحيده . وقد فسّره علماء السّلف من حيث حقيقته بصفات الكمال الَّتي يستحيل معها وجود المثل ، وفسّروه من حيث آثاره بكلمة التّوحيد وما تدلّ عليه من حقائق الإيمان ، وكلاهما تفسيران صحيحان ومترابطان ومتكاملان إلاّ أنّ الغالب على عبارات السّلف تفسيره بالتّوحيد ؛ لقرينة اللحاق في آية الرّوم ، ولأنّه المقصود الأعظم من معرفة المثل الأعلى .
2 ـ معرفة الربّ وعبادته هي الثّمرة العظمى للمثل الأعلى ؛ وهي ثمرة فطريّة عقليّة ؛ فالإيمان بها مستقرّ في قرارة القلوب ، وأدلّتها ظاهرة في الأنفس والآفاق ؛ وهي كلّها تستلزم معرفة الربّ وعبادته ، إلاّ أنّها معرفة مجملة ، وتألّه ناقص ؛ إذ المعرفة المفصّلة والتألّه التام طريقهما العلم بما يجمعه المثل الأعلى من صفات الكمال الواردة في القرآن وصحيح السنّة ؛ ولهذا يستحيل استغناء العباد بدلالات العقل عن أنوار الوحي .
3 ـ المعرفة المفصّلة تحصل عن طريق العلم بما ورد في القرآن والسنّة من أخبار عن أسماء الربّ وأفعاله ومثله الأعلى الجامع لكمالاته ؛ وقد تواطأت النّصوص على بيان هذه الأخبار حتَّى كأنّ العباد ينظرون إلى ربّهم فوق سماواته ، مستو على عرشه ، يسمع أصوات خلقه ، ويرى ظواهرهم وبواطنهم ، ويدبّر أمورهم ، ويقضي حاجاتهم . وقد قعدت المعطّلة على رأس هذا الطّريق تنفّر النّاس عنه بألفاظ ظاهرها التّنزيه وباطنها التّعطيل حتَّى راجت مقالاتهم على كثير من النّاس ، وحيل بينهم وبين أعظم طرق المعرفة ؛ ولهذا قال علماء السّلف : إِنَّ المعطّلة قطّاع الطّريق على القلوب !
4 ـ كمال العلم بمثل الربّ الأعلى وصفات كماله يثمر في حياة المؤمن صدق العبادة والاستعانة ، وهما أصلا السّعادة في الدّنيا والآخرة ؛ وكلّ نوع من صفات الكمال يثمر عبادات قلبيّة خاصّة تدفع الجوارح لفعل الطّاعة وترك المعصية ، وتصونها عن الشّرك بمظاهره وأنواعه ؛ فصفات الرّحمة مثلاً تورث القلب الرّجاء المحمود ، وتصونه من التعلّق بالخلق رجاء كشف الضرّ أو تحويله ، وتدفع المؤمن إلى التّوبة والإكثار من الأعمال الصّالحة ؛ رجاء القبول وتحقّق الوعد بالجنّة .
5 ـ براهين التّوحيد وأمثاله يجمعها الاستدلال عَلَى التّوحيد بتجرّد الآلهة الباطلة عن معاني الرّبوبيّة وصفات الكمال وتفرّد الإله الحقّ بتلك المعاني والصّفات ؛ أي أنّ أدلّة التّوحيد دائرة مع المثل الأعلى وجودًا وعدمًا ؛ ولهذا جعل الله مثل السّوء المتضمّن لكلّ عيب ونقص للمشركين وآلهتهم المزعومة ، وأخبر أنّ المثل الأعلى المتضمّن لجميع صفات الكمال لله وحده ، وهذا التلازم يدلّ على بطلان الشّرك وصحّة التّوحيد ضرورةً .
6 ـ يجوز الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق بقياس الأولى تمثيلاً أو شمولاً ؛ لأنّ الله تمدّح في كتابه بمثله الأعلى ، واستحقاقه لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص ، ودلّ على مشروعيّته بما ضربه من الأمثال ، وما ذكره من وجوه الاعتبار ؛ ولهذا استعمله العلماء في تقرير وتقريب أصول الإثبات والتنزيه ، وفي الاستدلال على أعيان الصفات نفيًا وإثباتًا ؛ كإثبات العلوّ والمباينة وتنزيه الربّ عن الحلول والاتّحاد .
أمّا إذا كان الاعتبار بقياس المساواة فإنّه لا يجوز ألبتة سواء أكان بصورة التّمثيل أو الشّمول ؛ لما يتضمّنه من التّمثيل والتنديد والعدل بالله وضرب الأمثال له .
وهذا التّفصيل محلّه الاعتبار بين صفات الربّ والعبد ؛ لأنّ الاعتبار بين صفات الربّ يجوز فيه استعمال كلا النّوعين ؛ كما أرشد الله لذلك في كتابه ؛ فمن قياس المساواة الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بالنّبات ، ومن قياس الأولى الاستدلال بالقدرة على الخلق من التراب على القدرة على الخلق بلا أب . والله أعلم ، وصلّى الله على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلّم .

 


[1] انظر : معجم مقاييس اللّغة لابن فارس 5/40 ، أساس البلاغة للزّمخشريّ ص383 .
[2] إطلاق القياس إطلاقًا حقيقيًّا على قياس التّمثيل والشّمول هو قول جمهور أهل العلم ، وذهب أكثر علماء الأصول إلى أنّ القياس حقيقة في التّمثيل مجاز في الشّمول . وذهب أهل المنطق إلى العكس ؛ فقالوا : إنّه حقيقة في الشّمول مجاز في التّمثيل . والصّواب أنّه حقيقة فيهما ؛ لأنّ القياس في اللّغة بمعنى : تقديم الشيء بغيره ، وهذا يتناول تقدير المعين بالمعين ، وتقدير المعين بالكلي المتناول له ولأمثاله . انظر : المستصفى للغزالي ص394 ، 395 ، روضة النّاظر لابن قدامة ص276 ، الردّ على المنطقيين لابن تيمية ص119 ، 364 .
[3] روضة الناظر لابن قدامة ص275 ، وانظر شرح الكوكب المنير للفتوحي 4/6 .
[4] انظر : معيار العلم للغزالي ص119 ، الردّ على المنطقيين لابن تَيْمِيَّة ص116 ، المعجم الفلسفي لجميل صليبا 2/207 .
[5] التعريفات للجرجاني ص181 ، وانظر : معيار العلم للغزالي ص98 ، المعجم الفلسفي لجميل صليبا 2/207 .
[6] انظر : الردّ على المنطقيين لابن تيمية ص107 ، 115 ، 116 ، 119 ، 211 ، 364 .
[7] انظر : درء التّعارض لابن تيمية 1/29 ، 7/367 ، مجموع الفتاوى لابن تيمية 14/51 ـ 54 ، المذكّرة في أصول الفقه للشنقيطي ص249 ـ 252 .
[8] أعلام الموقعين 1/143 ، 144 ، وانظر من نفس المصدر : ص139 ، 142 ، 146 .
[9] انظر : أعلام الموقعين 1/134 ، 138 ، 139 .
[10] صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري : كتاب التّفسير ، باب الَّذين يحشرون على وجوههم 8/492 .
[11] أي قوله تعالى : {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً} . سورة الفرقان : آية 34 ، وهي الآية الَّتي ساق الإمام البخاريّ الحديث في تفسيرها . انظر : كتاب التّفسير ، باب الَّذين يحشرون على وجوههم8/492 .
[12] فتح الباري 11/382 ، 383 .
[13] الجواب الصّحيح 4/55 ، وانظر : أعلام الموقعين لابن القيّم 1/135 .
[14] انظر : تفسير الطّبري 9/15/169 ، 170 ، أعلام الموقعين 1/132 ، 140 ـ 147 ، تفسير ابن كثير 3/65 ، 66 ، 582 ، 4/85 ، 171 .
[15] انظر : روح المعاني للآلوسي 9/17/117 ، تفسير السّعدي 5/274 .
[16] انظر : تفسير البغوي 3/73 ، 481 ، تفسير ابن كثير 3/573 ، تفسير السعدي 4/213 .
[17] انظر : درء التّعارض لابن تيمية 1/29 ، 30 ، 7/362 ، الرِّسالة التدمرية ص50 ، تفسير السّعدي 6/123 .
[18] انظر : درء التّعارض لابن تيمية 1/36 ، 37 ، 7/362 ـ 369 ، تفسير ابن كثير 2/573 ، 3/431 .
[19] انظر : مجموع الفتاوى 16/357 .
[20] انظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية 16/360 .
[21] انظر : مجموع الفتاوى 16/358 ، 359 ، شرح الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي ص261 ، 262.
[22] انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 6/79 ، 80 ، أعلام الموقعين لابن القيّم 1/157 ـ 161 .
[23] انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 1/37 ، 7/389 ، 390 ، تفسير ابن كثير 3/431 .
[24] كتاب السنّة 1/200 ، وهو حديث حسن كما نصّ على ذلك الألباني في تخريجه للكتاب .
[25] انظر : الجواب الصّحيح لابن تيمية 3/148 ، 318 ـ 322 ، 4/10 .
[26] انظر : مجموع الفتاوى لابن تَيْمِيَّة 16/362 .
[27] انظر : الرِّسالة التدمرية لابن تيمية ص46 ـ 51 .
[28] المرجع السّابق ص50 ـ 58 .
[29] انظر : الردّ على الزنادقة والجهميّة للإمام أحمد بن حنبل ص 93 [ ضمن سلسلة عقائد السّلف ] ، نقض التأسيس لابن تيمية 2/543 ، الرِّسالة التدمرية ص256 ، فتح رب البرية لابن عثيمين ص21 .
[30] انظر : أساس التقديس 2/537 .
[31] الردّ على الزنادقة والجهميّة ص94 .
[32] المرجع السّابق .
[33] انظر : نقض التأسيس 1/357 ـ 361 ، درء التّعارض 7/324 .
[34] الدرّ المنثور للسيوطي 3/37 .
[35] انظر : مختصر الصّواعق المرسلة ص302 .
[36] انظر : الرِّسالة التدمريّة ص142 .
[37] انظر : الفوائد لابن القيّم ص95 ـ 98 ، شرح الطحاوية لابن أبي العزّ الحنفي ص123 ، 124 .


التعليقات ( 0 )