• ×

أ.د. أحمد القاضي

(قل هذه سبيلي) (4)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فالمعلم الرابع من معالم السبيل : ما دل عليه قوله تعالى : ( أنا ومن اتبعني ) وهو الجماعة . إن دين الإسلام دين جماعة وائتلاف، لا دين تفرق واختلاف. إنه مشروع جماعي ينتظم جميع أفراده في عقد فريد، ونظام بديع، يوزع عليهم الواجبات، ويحفظ لهم الحقوق . وليس دين رهبانية، يعيش أفراده في جزر متناثرة، لا يجمعهم عقد اجتماعي، أو مشروع حضاري، كما هو حال كثير من الملل والنحل الخداج .
منذ أن يعتنق المرء هذا الدين يشعر شعوراً عميقاً بأنه منخرطٌ في أمة، منغمس في مجتمع. له هدفٌ واضح، وخطةٌ بينة . ولذا، كان يؤمر المسلم الجديد، في مبدأ الإسلام، بالهجرة، وينهى عن التعرب؛ أي أن يرجع الأعرابي المهاجر إلى باديته، لأنه بات عضواً مسؤولاً في المجتمع الوليد، يكثر سواده، ويسهم في بنائه .
ورائد هذا السبيل، وقائد هذا المجتمع، رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون أتباعه : (أنا ومن اتبعني) . وبعد وفاة هذا القائد، بقيت القياده لسنته، ومنهجه، وصار المتمسكون بها، المُمَسَّكون بها، هم (أهل السنة والجماعة) . فقد جمعوا وصفين، متلازمين :
1)   السنة : وهي اسم جامع لكل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ من الأقوال، والأعمال، الظاهرة، والباطنة .
2)   الجماعة : وهي الاجتماع على الحق ، والتعاون على البر والتقوى .
وهؤلاء هم علماء الأمة، وفقهاء الملة، المعتصمون بالدليل من الكتاب والسنة، وهم (السواد الأعظم) ، وإن قلَّ عددهم . قال تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) آل عمران: 103، وقال: ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) الشورى: 13، فالاعتصام بحبل الله: لزوم الكتاب والسنة،وإقامة الدين بالجماعة.
 
ومن لوازم هذا السبيل الجماعي ، ما يلي :
أولاً : الأمر بلزوم جماعة المسلمين، وتحريم مفارقتها، كما في الحديث المتفق عليه : ( من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية ) .
ثانياً : وجوب طاعة ولاة الأمر، بالمعروف، أبراراً كانوا أم فجاراً، وإقامة الحج والجمع والأعياد، والجهاد معهم ، وتحريم الخروج عليهم، وشق عصا الطاعة . قال صلى الله عليه وسلم : ( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) رواه مسلم .
ثالثاً : الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصيانة الجماعة عما يضرها . قال تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) آل عمران : 104
رابعاً : التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان. قال تعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة : 2
خامساً : النهي عن التفرق والاختلاف والتحزب . قال تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران : 105، وقال : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ) الأنعام : 159
وكل هذه النصوص، وأمثالها كثير، تؤسس لهذا المعلم الأصيل من معالم هذا السبيل (أنا ومن اتبعني)، وتدعو المؤمن الحق أن ينخرط في جسم الأمة الواحدة، ويصبح لبنةً في بنيانها، ويسعى جاهداً في الدعوة والإصلاح، وينأى بنفسه عن ثقافة العزلة، والسلبية، والانكفاء على الذات، ومقاطعة المجتمع المسلم، مهما بلغت أخطاؤه، إلا أن يرى شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ففي هذه الحال، إذا صح التقدير، وخلا من الشطط، وسعه أن يشتغل بخاصة نفسه، ويدع أمر العامة . وإلا فدونه ساح فساح، ومراغماً كثيراً وسعة، للنفع، والبناء، مع إخوانه المؤمنين ضمن الجماعة المسلمة، المنضوية تحت ولي أمر واحد، تسعى لهدف واحد، هو عبادة رب واحد .


التعليقات ( 0 )