• ×

د. تميم القاضي

الكلام على الكرسي

د. تميم القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

للشيخ: د محمد خليفة التميمي

ضمن تحقيقه لكتاب العرش للذهبي

 

جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [ البقرة 255 ].

وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: "ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهاً على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب"[1].

وأما الأحاديث والآثار الواردة في الكرسي فهي كثيرة جداً.

وقد تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. والأقوال في الكرسي هي:

القول الأول: أن المراد بالكرسي: العلم.

وهذا القول هو قول الجهمية[2]، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فراراً منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه.

وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، قال: "كرسيه علمه"[3] .

وهذا القول قد رجحه الطبري بقوله: "وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن، فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ابن جبير عنه أنه قال: هو علمه"[4].

القول الثاني: أن المراد بالكرسي هو العرش نفسه.

وهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: "الكرسي هو العرش"، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول[5]، واعتمد في ذلك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصابعه فجمعها: وإن له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله"[6].

القول الثالث: أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض[7].

ويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه[8].

القول الرابع: أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت [9].

وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا أن العرش هو الفلك التاسع.

القول الخامس: إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ عز وجل[10].

وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها.

فالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بياناً واضحاً لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:

حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"[11].

وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم109) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: "وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئاً معنوياً وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان".

وأيضاً ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد"[12].

وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود[13]، وأبو موسى الأشعري[14]، ومجاهد[15]، وغيرهم.

ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف"[16].

وقال شارح العقيدة الطحاوية: "وإنما هو -الكرسي- كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه"[17].

وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين"[18].

وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"[19].

كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض"[20].

وقال ثعلب: "الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك"[21].

ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.

وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين ...."، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.

وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جوبيراً وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جداً".

وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره"[22].

وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"[23].

ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم.

أما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضاً تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.

وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.

 

[1] انظر مختصر الصواعق (1/288).

[2] انظر التنبيه والرد (ص104)، والكشاف (1/385-386)، ومجموع الفتاوى (5/60)، والرد على بشر المريسي (ص71)، وتفسير روح المعاني (3/10).

[3] أخرجه الطبري في تفسيره (3/9). وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (2/167). وابن منده في الرد على الجهمية (ص45).

وأورده ابن كثير في تفسيره (1/309)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وجميعهم من طريق مطرف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وهو حديث غير صحيح.

وقال الدارمي: (هو من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا قد خالفه الرواة المتقنون).

وقال ابن منده: (لم يتابع عليه جعفر وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير).

[4] تفسير الطبري (3/11).

[5] في كلام ابن جرير في هذه المسألة تناقض، فقد ذكر أولاً أن هذا القول هو أولى بتأويل الآية، ثم نقض كلامه فقال: (أما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه)، وقد تكلم محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري على هذا التناقض وبين عدم أرجحية كلا القولين. انظر تفسير الطبري (5/401) طبعة دار المعارف المصرية.

[6] سيأتي تخريجه في قسم التحقيق برقم (98).

[7] انظر تفسير القرطبي (3/276)، تهذيب اللغة (10/53)، أقاويل الثقات في تأويل آيات الأسماء والصفات (ص116)، لسان العرب (6/194).

[8] تفسير القرطبي (3/276)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان (3/18)

[9] كتاب الكليات (4/122)، البداية والنهاية (1/14)، تفسير ابن كثير (1/310).

[10] الفتاوى (5/54)، تفسير ابن كثير (1/309)، أقاويل الثقات (116)، الأسماء والصفات (510)، شرح العقيدة الطحاوية (ص313).

[11] تقدم تخريجه ص246.

[12] تقدم تخريجه قريباً.

[13] تقدم تخريج الأثر الوارد عنه في (ص283).

[14] أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (60). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص70،143) عن أبيه. وابن جرير في تفسيره (3/9) عن علي بن مسلم الطوسي. وابن منده في الرد على الجهمية (ص46) عن علي بن مسلم. والبيهقي في الأسماء والصفات (ص509-510) عن هارون بن عبد الله. كلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وأورده الذهبي في العلو (ص84). وقال الألباني في مختصر العلو (ص123-124): (رجاله كلهم ثقات معروفون).

[15] أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (45). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص74). وعبد الله بن أحمد في السنة (ص71). والبيهقي في الأسماء والصفات (ص511). وأورده الذهبي في العلو (ص94). وأورده ابن حجر في فتح الباري (13/411) وقال: (أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره بسند صحيح عنه.

[16] الفتاوى (6/584).

[17] شرح العقيدة الطحاوية (ص313).

[18] أصول السنة (ص96).

[19] تفسير القرطبي (3/276).

[20] تهذيب اللغة (10/53).

[21] تهذيب اللغة (10/53).

[22] البداية والنهاية (1/13).

[23] الأسماء والصفات



التعليقات ( 0 )